يناقش كتاب «جيل دولوز ـ الفوضوي المُتوَّج وتكرار الاختلاف»، لمؤلفه عبد الجليل بن محمد الأزدي، والصادر عن منشورات اتحاد كتاب المغرب، مراكش 2009 م، حياة الفيلسوف والمفكر دولوز ومذهبه الفلسفي، وفق آلية بحث تحليلي استنتاجي، يميز فيها الازدي، مؤلف الكتاب، بين ثلاث مراحل في إنتاج دولوز الفلسفي:

مرحلة المونوغرافيات، التي اقتصرت على دراسة تاريخ الفلسفة دون وجود رؤية خاصة له.وثانيا مرحلة الاختلاف، وبدأت تظهر خلالها أفكار دولوز حول الاختلاف والكتابة ومنطق المعنى، وفي هذه المرحلة أخذت كتاباته تتجاوز المواضيع الكلاسيكية والتقليدية، وعبرها تناول موضوعات تتعلق باللغة والممارسات الرمزية في الأدب.ويبين الأزدي أنه اتصفت المرحلة الثالثة لدى دولوز ب«المتعدد»، إذ طغى فيها استعانته بمنهج التحليل النفسي للكشف عن وجود معانٍ متعددة تتجاوز الأنماط المنطقية التقليدية في التفسير، كونه تبين له أن سطح المعنى أملس مفعم بتعدديات كثيفة، يمكن معها القول: إن هناك أجسادا دون أعضاء، وهكذا أصبح المعنى يخضع لمفاهيم التطواف والتدفق والكثافة والصيرورة والديمومة والحركة والتعارض والقسمة.. الخ.

ويتطرق المؤلف إلى كون دولوز يعد من أعمدة مرحلة ما بعد الحداثة، لأن الحقيقة لديه نسبية، والذات متصدعة لا تخضع لمنطق أو نسقٍ معينين، كما أخذ الجسد يحتل مكانة كبرى في مضمون موضوعاته.

وبذا فإن الحديث عن النزعة التاريخانية التي تُخضع التاريخ إلى مجموعة من القوانين، أصبح حديثاً خالياً من المعني، فكل كلام أو حديث يحمل داخله «كلمة سر»، وفهم كلمة السر يتحدد في الانتباه إلى «المفترضات الضمنية» في أفعال الكلام، وهكذا أعلن دولوز في نهاية مشروعه، عن موت الأنا، لأن الكلام لم يعد مرتبطاً بالمؤلف بل بالأوضاع اللاواعية المحيطة به، وكذلك اندثار المنطق كونه مجرد لعبة بليدة، وأيضا أننا يمكن أن نعثر على عدد كبير من الألعاب الأخرى غير لعبة المنطق، وهي ألعاب أغنى وأعمق منه.

ويبحث الأزدي في موقف دولوز من العلاقة بين المثقف والسلطة، وتجاه الأنظمة السياسية، فيجد أنه موقف ثوري يحاول فضح الأساليب الجديدة للسلطة، والقائمة، ليس فقط على القمع العنصري والتسلط في التعليم وتهميش الشباب، بل إن السلطة ابتدعت أساليب جديدة تقوم على تشكيل الرأي العام عبر الصحف ووكالات الأنباء، وعلى طرح مشكلات غير حقيقية، وتزييف المشكلات الواقعية المعاشة لدى الناس.

وينتقل المؤلف ليبين لنا أن دولوز يعتبر أن كل سلطة، في النهاية، لا يمكن إلا أن تكون مرتبطة بمصالح أصحابها والفاعلين فيها، وتزداد المسألة تعقيداً عندما نجد أناسا ليس لهم مصالح مع السلطة، لكنهم يرتبطون بها ويدافعون عنها بقوة.

ويفسر دولوز هذا الأمر بأن السلطة تخاطب جانب الرغبة في الإنسان، وتحاول إشباعه، وذلك على حساب الكثير من الحقوق والمطالب الأخرى، وبهذا المعنى فإن الناس كانوا يرغبون بالفاشية ولم يُخدعوا، والسلطة استثمرت هذه الرغبة.

ويفرد الازدي محورا خاصا للحديث عن موقف دولوز من القضية الفلسطينية، يؤكد فيه على أن موقفه يخالف موقف ميشيل فوكو، الذي ظل موقفاً دائم التأييد لإسرائيل، على حساب «الحق العربي الفلسطيني»، فدولوز ظل منذ نهاية الستينيات «نصير الثورة الفلسطينية».

وكان يبارك جهود الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما أيد «انتفاضة الحجارة الفلسطينية»، فالفلسطينيون بالنسبة لدولوز هم «فجائية الشرق الأوسط يرفعون مسألة الأرض إلى أعلى عليين».

كما شدد دولوز في مقالة بعنوان «إسرائيل صناعة أميركية على الطريقة الهوليودية»، على أن أوروبا لم تكتفِ بتسديد الدَّين اللا متناهي الذي تدين به لليهود، وإنما جعلت شعباً آخر يسدد عنها هذا الدَّين، فدولوز يحتج دائماً على السكوت المخطط له، عن«تدمير القرى و نسف المنازل وطرد السكان واغتيال الأشخاص»، وهو دائماً يتحدث بسخرية عن الإعجاب الذي تلقاه «المخابرات الإسرائيلية»، متسائلاً عن وجود أنظمة ديمقراطية موجودة بفضل مخابراتها.

ولا يقتصر المؤلف في فصول كتابه على جوانب محددة في صلب هذه القضايا والجوانب من فكر وحياة وآراء دولوز، بل يطرح رؤى متكاملة وشاملة يقدم من خلالها دولوز للقارئ العربي، فيجمع فيها بين الفلسفة والأدب والسياسة والسيرة الذاتية، من أجل تجسيد صورة متكاملة عن فيلسوف يعد اليوم من أساطين الفكر الفلسفي الما بعد الحداثي.

الكتاب:جيل دولوز ـ الفوضوي المُتوَّج وتكرار الاختلاف

تأليف: عبد الجليل بن محمد الأزدي

الناشر: منشورات اتحاد كتاب المغرب ، مراكش 2009

الصفحات: 106 صفحات

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح