تبقى الفنون الشعبية خير معبر عن تلاقي وعمق حوار الثقافات، ففيها تتلاقح معالم ومضامين التراث كونها تعكس روحية الفلكلور وقيمة الإرث الفكري الفني لشتى الحضارات .

ولا شك أن دولة الإمارات وعت هذه القيمة، فأخذت تصوغ وتوظف برامج عمل لتقوي حضور التراث الفني الخاص بها وبجميع دول العالم، فتجعل من مفرداته بوتقة تمازج بين فكر وثقافات الشعوب، وبشكل بارز الرقص التعبيري منها.توفر عبر إدراك الإمارات لأهمية هذا العنصر الثقافي الفني، مشروعات عمل مميزة فيها، تركز على تعميق اطر الفعاليات الاحتفالية والمهرجانات والمؤتمرات المتخصصة التي تستضيفها في هذا المجال.وفي هذا السياق، نظم في مدينة العين الإماراتية أخيرا، فعالية احتفالية خاصة بهذا الشأن، في بوادي مول، في إطار مهرجان» حول العالم في 60 يوماً»، اجتمعت فيه إلى جانب فرق الرقص والفلكلور من الإمارات، مجموعة من الفرق الممثلة لدول وحضارات عدة وهي:

(فلسطين وسوريا واليونان وإسبانيا والقوقاز والهنود الحمر والبرازيل وكوريا)، حيث قدمت الفرق وصلات رقص وغناء لافتة حققت نجاحات لافتة على هذا الصعيد.العيالة واليولة مثلت عروض الرقص والفلكلور الإماراتي في مشاركات هذا المهرجان، عكسا نوعيا غنيا لمخزون ثقافة هذا المجتمع، فقدمت رقصات جذابة ومعبرة، استلهم فيها الفنانون من روحية مخزون ثقافة وفن البيئة الإماراتية، فأنتج ذلك بالتوازي مع حرفية المؤدين، تفاعل الجمهور في المهرجان بالبوادي مول، بشكل لافت، إذ تفاعلوا مع تجسيدات ومعاني الغناء والحركات بالرقصات المتنوعة للعيالة واليولة، إلى عوالم واسعة مميزة، أطلعتهم على حقيقة جماليات تاريخ وتراث هذا المجتمع الإماراتي، بلغة فنية جاذبة وممتعة.

وقد تعددت وتنوعت عروض ووصلات الغناء والرقص الإماراتي في فعاليات هذا المهرجان، فكانت بحق أنموذجا لعكس مخزون غنى ثقافة هذا المجتمع في تعاطيه منذ القدم مع البيئة والناس، وأيضا عذوبة مكنون تعبير الناس عن فرحهم وحماسهم، فمع العيالة كانت خشبة مسرح العرض تغتني بروح أصالة الرقص والغناء، لتدخل الجمهور إلى عوالم استحضار الماضي بقالب بديع.

ولتحكي عن قصص الناس، وفلسفة تعاطيهم مع الطبيعة وتماسكهم في الشدائد، وكيف كانوا يهزجون فرحا بالنصر، ويقاومون شظف العيش بالجهد والغناء والرقص.

رسالة حب بلغة الفن الإماراتي

حكت تلك الرقصات الإماراتية تعريفا شاملا عن مخزون فنون وفكر هذا المجتمع المحب للآخرين والمنفتح عليهم، وذلك بأبجدية الفن التعبيري والموسيقى المستقية من وحي الطبيعة، المتناغمة مع نغمات البحر ورحلات الصيد، مع ذاك الغناء الذي يشحذ الهمم ويجابه الموج، فينينتج روح العزيمة ويخلق ركائز الفرح.هكذا حقيقة كانت عروض أداء الفرق الفنية الإماراتية، إذ خلقت تناغما فريدا، قيمته الأسمى هي خيوط رسالة بوحي الكلمة ونغمها، تدعو لتعزيز الإخاء والتلاقي الإنساني والحوار والانفتاح بين الحضارات.

وقد تترجم هذا على يد راقصين وفنانين إماراتيين محترفين كانوا يقفزون على المسرح بخفة، مفعمين ومؤزرين بوحي دعوة تلك الرقصات، متنقلين فيها بين عطر حافزها الفني الفرح ومضمونها الغني المتصف بدعوته للحب والغناء للحياة، في مرمى وسعي التغلب على أية شدائد.

الفلكلور الفلسطيني.. حنين وجوهر

فرادة ووجدانية لوحات وعروض الفرقة الشعبية الفلسطينية «المجدلاوي»، هي أبرز السمات في أداء وعكس فولكلور هذا البلد العربي العريق، حيث جسدت الفرقة بأدائها خصوبة وجوهرية التراث الفلسطيني الأصيل، فاشتملت رقصاتها على الدبكات الشعبية من تراث نابلس، مثل الدرزة، وتراث رام الله - مثل الشعراوية، إلى جانب الدبكات التي تشتهر بها مدن فلسطينية أخرى، كالقدس وغزة وجنين وبيت لحم، والتي تعتبر من التراث الذي يستند إلى إرث فني وثقافي عميق يمتد طويلاً عبر التاريخ.

وفي الأداء اشتبكت الأيدي كدليل على الوحدة والتضامن، وضربة الأرجل بالأرض دلالة على العنفوان والرجولة، ورافقها أغان عبرت عن عمق الانتماء للأرض الفلسطينية.كما قدمت الفرقة الدبكة الفلكلورية التي هي جزء من تقاليد ومضامين الأعراس الفلسطينية، والتي تعتمد على حركات الأرجل، ومنها «الكرادية» أو الطيارة التي تتميز بالإيقاع السريع.

إذ قدمت بشكل متجانس بين أعضاء الفرقة مع الحركة السريعة وسحر جاذبية الفقرات، وكللها ترافقها مع العزف على اليرغول والشبابة والطبل، إضافة إلى تقديم صورة مصغرة عن العرس الفلسطيني و«تجلاية» العروس، ولوحات تعبيرية أخرى شيقة لفتت انتباه الجمهور الحاضر.

«الدلعونا»

كما قدمت فرقة المجدلاوي، في إطار عروض ولوحات الفنون التي قدمتها، دبكة (الدلعونا) والأغاني الخاصة، والتي تميزت بالحركة والإيقاع السريعين.وأيضا أغنية (يا زريف الطول) الراقصة المصورة لأجمل معاني الغزل ومناقب العروسين والموجودة بالبشر عموما.

كما حرصت الفرقة على ارتداء أزياء تمثل ثقافة الشعب الفلسطيني وتراثه الشعبي، حيث يرمز في لباس الرجال من أعضاء الفرقة، إلى حب الفلسطيني لأرضه وتعلقه وتمسكه بها، وحقه في الدفاع عنها والعودة إليها. أما الفتيات فقد ارتدين أثواباً تراثية سوداء مطرزة يدويا بألوان مختلفة تدلل على المنطقة التي أتين منها.

جلنار..سوريا

لم تكن رقصات فرقة «جلنار» السورية في المهرجان، مقتصرة فقط على منحى التمثيل والتجسيد الفني التقليدي لموروث بلدها (سوريا)، بل عكست عمقا زاخرا بالمعاني، حكى في جو ساحر من الأضواء وأمام جمهور كبير من مختلف الجنسيات والأعمار، خلاصة نتاجها من رقص تعبيري جميل رسمت عبره لوحة سورية مشرقة للفلكلور الغني والجوهري الطابع، فقصت ملامح التراث السوري الفني ليصور معالم الهوية والبيئة المحلية.

وذلك كما هو حرص هذه الفرقة الدائم على تقديم هذه المفردات، ضمن قالب فني جديد ومعاصر وبالشكل الذي يليق بها.فمجمل الرقصات التي قدمتها «جلنار» مزجت أجواء الفن بمضمون التراث، فنقلت الحضور برقص مميز إلى عصر الإشراق العربي في أيام الأندلس، وبرز خلالها أعضاء الفرقة بلوحات ماتعة كانوا فيها بخفة الطيور، فتهادوا وحكوا الكثير بثوب وصلات جميلة ترجمت وهج وقيمة ذلك العصر.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ عرضت الفرقة في فقرة «بانوراما سورية»، لمحات ومقتطفات من التنوع الفلكلوري السوري الغني، فعكست الفرقة مع هذه الفقرة فلكلور الجبال والوديان والصحراء، ثم فنون الفرات ومحيطه الغني، لتستريح مع خصوصية تميز فن الساحل السوري، وصولا إلى تراث فنون دمشق العابقة زواياها بكل أصيل وعريق.

وكذا فعلت الفرقة في أداء فقرة «مولوية « مختلفة هذه المرة، إذ قدمتها فتاة مميزة تألقت بحركاتها الراقصة ورونق لباسها المكلل بالألوان الزاهية. ومنها إلى لوحة الأعياد الوطنية التي لونتها وزينتها بمسحة معان رائعة.

وقد كان أميز ما قدم في هذا العرض ( اسكتش ) «استقبال النسوان «، والذي ترجمت فيه الفرقة برقصاتها وغنائها من خلال سيناريو بسيط ومعبر، كيف كانت النساء في الماضي تقمن طقوس استقبالاتهن وضيافتهن، والتي امتلأت بالفن والرقص بعد مشوار طويل من الكلام والثرثرة والمزاح والتعليقات الطريفة والجميلة.

عماد إسماعيل