لايزال رموز الموسيقى الكلاسيكية يهيمنون على المشهد الفني، لأن فنهم لا يتقادم، وينتقل من جيل إلى آخر.
ولايزال العالم يتذكرهم، إذ يحتفل هذه الأيام بالذكرى المئوية الثانية للموسيقار شوبان، فيبرز إلى الواجهة بعد مرور كل هذا الزمن. ومن روسيا، ينبعث تشايكوفسكي إلى الوجود ليحقق أعلى المبيعات. فقد عرف هذا الموسيقار سنة استثنائية، بفضل فيلم (الكونسيرت) للمخرج رادو ميهالييانو.تقول آن ماري روبير، المتخصصة في الموسيقى الكلاسيكية في محل (فناك)، أكبر محال بيع الأسطوانات في فرنسا: (لاحظنا وجود أناس يطالبوننا بالنسخة الكاملة لكونسرتات تشايكوفسكي، إلا أن المخزون لدينا قد نفد).
ويقول يان أوليفيير، مدير الموسيقى الكلاسيكية والجاز: (الكونسيرت فجّر كل الموسيقى التي أنتجها المؤلف تشايكوفسكي، عند عدد كبير من الناشرين. ولم يتم التركيز على أسطوانة دون أخرى). وأيضاً هناك مخازن عدة تبيع الأعمال الموسيقية المقرصنة لتشايكوفسكي. وهذه المبيعات لا تدخل في الإحصاءات، لأنها أعمال غير أصلية. وهناك فيلمان حول موزارت، يعرضان في عام 2011، وهما: (نانيرل، أخت موزارت) للمخرج رينيه فيريه، وفيلم (دون جيوفاني، ولادة أوبرا)، للمخرج كارلوس ساور.
قوة إغراء وجذب
هل سيكون الإقبال على موزارت مثل الإقبال على تشايكوفسكي؟
يؤكد المختصون أن تواجد دقيقتين من الموسيقى الكلاسيكية في فيلم ما، كفيل بأن يروّج للمؤلف الموسيقي على مدى سنوات. وقد استفادت الموسيقى الكلاسيكية من جميع الأشكال الفنية:
الرسوم المتحركة، الكوميديا، أفلام الخيال العلمي، الأفلام الحربية. وأبرز المخرجين الذين تعاملوا مع الموسيقى الكلاسيكية هم: ستانلي كوبريك، وودي ألن، وميشيل دوفيل.
إن قوة السينما تغري شركات الإنتاج الموسيقي، شريطة أن تكون الأفلام في مستوى فني رفيع. وبالنسبة للموسيقيين تشكل موسيقى الأفلام، مناسبة جيدة للخروج من الظل، حيث تؤثر الموسيقى في النفوس تأثيراً عميقاً، لأنها عبارة عن بوتقة تمتزج فيها جميع الفنون، ولا يمكن أن يوجد فيلم من دون موسيقى تصويرية، وتأثيرها في الجمهور عنصر أساسي في الفيلم، إلى جانب التصوير والديكور والماكياج والإضاءة.
وظلت ناجحة ومتألقة عروض الأفلام الصامتة بمصاحبة عازف على البيانو، أو الاستعانة بالفونوغراف، وكان دور الموسيقى في تلك المرحلة فعالاً، إذ يعوض عن الكلام.
ومع هذا فقد قام الكثير من الناشرين بإعداد منتوجات موسيقية، تضم بعض المقطوعات التصويرية أو الوصفية الملائمة للمواقف التي تتولد من الأفلام. وكانت صالات السينما، في بداية ظهور السينما الناطقة عام 1927، مزودة بمكان خاص بالأوركسترا التي تجذب أنظار الجمهور. وعادة ما يرتاد الجمهور صالات السينما ليس للاستماع للموسيقى بل لمشاهدة الأفلام.
حيل ذكية
استغل المخرجون في وقتنا الحاضر، إمكانات الموسيقى الكلاسيكية لإظهار المواقف الدرامية أو التعبيرات الفنية في أفلامهم، مثل استخدام موسيقى انطونيو فيفالدي في فيلم (الأبناء الأشقياء) لكوكتو، وفيلم (الفصول الأربعة) لألن ألدا، المأخوذ عن عمل موسيقي هو بالاسم نفسه لفيفالدي، أو استخدام شتراوس وليغتي في (أوديسة الفضاء 2001) لستانلي كوبيرك، والاستخدام المدهش لموسيقى بيلا بارتوك في (اللمعان) للمخرج نفسه، وكذلك استخدام برغمان لموسيقى باخ في فيلمه (الصمت).
ومن المقطوعات التي وضعت أساساً للأفلام المنتشرة في العالم، موسيقى (أنشودة لارا) لموريس جار، والتي ألفها لفيلم (الدكتور زيفاغو). كذلك الموضوع الرئيسي في فيلم «قصة حب» لفرانسيس لاي والذي فاز بجائزة الأوسكار عن موسيقى الفيلم، وأيضاً موضوع فيلمي (الأب الروحي) و(روميو وجولييت) لنينو روتا.
إن جنوح المخرجين إلى استخدام اوركسترات عالمية، خصوصاً أوركسترا لندن السيمفونية، كما حصل في أفلام مثل (حرب النجوم)، (سوبرمان)، (دراكيولا) و(الإمبراطورية تعيد الضربة) و(غزاة القوس المفقود)، أصبحت تمثل نقطة تحول محورية في هذا الصدد، وكلها من تأليف جون ويليامز، فهي أثرت في تشكيل الفيلم كاملاً، بحيث أصبح الجمهور يقبل على مشاهدة الأفلام للاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية، فباتت بمثابة الدعامة الرئيسية للفيلم التي تعتمد على الجمع بين مخيلتي السينمائي والموسيقي في آن واحد.
وعمد كثير من المخرجين إلى تتبع السيرة الذاتية للموسيقيين الكلاسيكيين، ليحكوا قصة حياتهم عبر الموسيقى، من خلال سرد سينمائي، يتحف الجمهور بجوهر أعماله الموسيقية وظروف إنتاجها.
وهذا ما يقرّب الموسيقى الكلاسيكية إلى الجمهور، وذلك عندما تصبح مادة للرؤية البصرية، وهو ما يختلف عن الموسيقى التصويرية التي تكون فيها عنصراً ثانوياً، وليس رئيسياً.
أساليب تجديد وتطوير
هناك من المخرجين من يستخدم فرقة موسيقية كاملة من أجل جماليات فيلمه، وهذا ما قام به رائد السينما الأميركية د. و. غريفيث، المعروف بمواهبه المتعددة، وتعاون مع عدد من الموسيقيين لتأليف الموسيقى التصويرية لفيلميه الشهيرين: (مولد أمة) 1915، و(تعصب) 1916، حيث قامت بعزفها فرقة موسيقية أثناء عرض الفيلمين.
وهناك تعاون وثيق بين مخرج الفيلم والمؤلف الموسيقي، ومن أشهر هذه الشراكات الفنية، العلاقة بين المخرج ستيفين سبيلبرغ والمؤلف الموسيقي جون وليامز الذي قام بتأليف الموسيقى التصويرية لجميع الأفلام السينمائية التي أخرجها، ومن ضمنها (الفك المفترس) و(أي . تي . مخلوق من الفضاء) وثلاثية أفلام (إنديانا جونز)، التي استخدم فيها المخرجون الجدد تكنولوجيا التسجيل الإلكتروني للموسيقى.
وفي عشرينات القرن الماضي، لم تكن الموسيقى جزءاً من الصناعة السينمائية، إلا أنها أصبحت الدعامة الأساسية للأفلام في الثمانينات والتسعينات، لتشمل الموسيقي الإلكترونية، وكذا العصب الأساسي للأفلام الحديثة، بل إنها كرست الأفلام الجديدة نفسها للموسيقى الكلاسيكية وأعلامها، وأصبحت مستقلة بذاتها، حيث لم تعد الموسيقى مجرد عنصر إضافي في الفيلم، بل هي الفيلم. ولا يزال العاملون في السينما يتذكرون أفراد الفرق الموسيقية وأعضاء الموسيقى التصويرية، مرافقة عرض الأفلام الصامتة الضخمة الإنتاج.
شاكر نوري


