في أبريل من العام 1990، وتحت عنوان (سوريّة دلائل على القماش)، عرض الفنان التشكيلي السوري مصطفى فتحي وزوجته الفرنسيّة (أوديل ديمون فوكون)، في صالة المركز الثقافي الفرنسي، مجموعة من المرقعيات والأغطية والمنسوجات التزيينيّة الريفيّة السوريّة. انتقل هذا المعرض الهام بعد دمشق، إلى العاصمة الأردنية عمّان، وقبلها كان تجوّل في المدن الفرنسيّة: باريس، بانفوليوم، هافر، تولوز.
كانت جداريات الفنان مصطفى فتحي هذه آخر ما شاهدته له دمشق من أعمال فنيّة، إذ قام بعدها بتقديم استقالته من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث كان يعمل أستاذاً لمادة الحفر المطبوع فيها، وغاب كلياً عن الحياة العامة والفنيّة في سوريّة، مغادراً إلى فرنسا لعدة سنوات، ولم يتحمل خلالها طقس هذه البلاد الذي كان يراه قاتماً باعثاً على الكآبة، خلافاً لطقس بلاده الصافي، المريح، والمفعم بالأمل. عاد بعدها إلى مسقط رأسه (درعا) لينشئ فيها محترفاً رحباً، وتابع فيه بحثه الفني، بعيداً عن الضوء، إذ إنه لم يقم خلال السنوات الماضية أي معرض فردي.
ولا شارك في معرض جماعي، حتى فاجأ جمهور دمشق في نوفمبر وديسمبر 2007، بدعوته التي يُعلن فيها أن (مصطفى فتحي يفتح أبواب مشغله في دمشق القديمة، ويسره استقبالكم، والعنوان كما جاء في بطاقة الدعوة هو (شارع البدوي، حي الشاغور البراني).خلال وجوده، في محترفات كلية الفنون الجميلة بدمشق، أثار الفنان فتحي نقاشات متشعبة وعميقة، حول جملة من القضايا المتعلقة بواقع الحركة الفنيّة التشكيلية السوريّة المعاصرة، ومشروعه الفني الكبير، في لملمة مصنوعات وحرف يدويّة شعبية من الريف السوري الغني والأصيل والجميل، لا سيما تلك المنفذة من بقايا القماش الملون، أو الفضلات الزائدة عن حاجة الخيّاطة الشعبيّة.
حيث تقوم النسوة الشعبيات بتجميعها وتشكيلها بآلة الخياطة، أو بالإبرة والخيط، محولة إياها إلى حاجة استعمالية أو تزينييّة، تحمل الكثير من القيم البصريّة والدلالية، رغم السمة العفوية والتلقائية المسيطرة عليها، وقد يضاف إلى هذه المشغولات مواد أخرى، كالريش والخرز الملون والقصب، بهدف تكريس قيمها البصريّة والرمزيّة.
التفاتة هامة
هذه المشغولات الشعبيّة اليدويّة، بدأت تنحسر من حياتنا المعاصرة، بتأثير انتشار الآلة، ولكونها تحتضن الكثير من الأحاسيس النقية، وجوانب هامة، من أفكار ومعتقدات الإنسان الشعبي، وتختزل جملة من الموروثات، تنبه إليها الفنان مصطفى وزوجته الفرنسية التي قامت بدراستها وتبويبها والبحث في قيمها البصريّة والدلاليّة، لتأخذ طريقها في ما بعد، إلى رسالة دكتوراه، وإلى معرض متجول في أوروبا، انتهى به المطاف إلى رحاب بيت شعبي سوري شيد خصيصاً له في باريس.
وما قُدم في دمشق، كان شريحة عن هذا المعرض الهام الذي قدم صورة مشرفة وساحرة وحقيقية عن الفن الفلاحي السوري، الذي يأخذ من البيئة ألوانها ومن معتقدات وأفكار الإنسان الشعبي السوري، دلالاته ورموزه، إنما بروح مجردة.
استل الفنان فتحي من هذا الفن، مفرداته ورموزه الغرافيكية ووحداته الزخرفيّة المجردة، ثم اشتغل عليها بتمعن وأناة وحب كبير، وقام بتقديم جوانب من بحثه البصري الهام هذا، في مجموعة من الجداريات المنفذة بطريقة الطباعة اليدوية على القماش، بوساطة القوالب والأختام الخشبيّة، عرض بعضها في معرض ربيع العام 1990.
وبعد تسعة عشر عاماً، قدم كشفاً شاملاً وهاماً، لما تمخض عنه بحثه ومحترفه، في آخر معارضه الفنيّة، الذي أصر على أن يكون في مشغله الدمشقي القديم، الذي هو عبارة عن بيت طيني متهالك، بسيط وجميل، وقبل هذا وذاك، يمثل الرحم الحنون الذي خرجت منه، المحرضات والدوافع والإلهامات، التي قادته إلى التقاط مفردات وعناصر أعماله الفنيّة.
والتي لا بد لكل زائر متابع ومهتم، من أن يكتشف بنفسه، مدى ارتباطها الوثيق، بالبيئة المعروضة فيها، إن لناحية شكل المفردة التشكيليّة، أو لونها، أو التعبيرات والدلالات التي تكتنز عليها.
بلغت الأعمال التي ضمها المعرض نحو تسعين لوحة مختلفة الأحجام والتقانات، منها ثلاثون جدارية قماشية منفذة بالطباعة اليدويّة، وما تبقى عبارة عن رسوم ولوحات منفذة بالألوان على الورق والكرتون، تشكل في مجملها، الوحدات الشكليّة، والدراسات الخطيّة واللونيّة، التي قادته إلى المنمنمات الجداريّة القماشيّة الكبيرة.
حملت أعمال المعرض تواريخ تعود إلى الزمن الممتد من العام 1985 حتى العام 2006، وتقوم في مجملها، على الوحدات الزخرفيّة المجردة السائدة في حرفة سوريّة عريقة تتماهى بالفن، تعود إلى سنوات ما قبل التاريخ.
حيث انتشر الختم المسطح في أواخر الألف الخامسة، في كل من سورية ومصر وبلاد ما بين النهرين، ثم تحوّل الختم إلى شكل الأسطوانة فسمي (الختم الأسطواني) الذي ساد استعماله منذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، إضافة إلى الختم المسطح، وهذه الأختام قادت في ما بعد إلى ما عرف بطباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبيّة.
التلويحة الأخيرة
ما لفت الانتباه في أعمال الفنان فتحي، اقترابه المدهش، في الأعمال المنجزة العام 2006، من صيغة تشكيلية جديدة، زاوج فيها بين الوحدات الزخرفيّة التراثية، وبين منطق تشكيلي جمالي اشتغل عليه أبرز التجريديين المعاصرين، أمثال (كاندينسكي) و(بول كلي) و(مارك) و(مالوفيتش).. وغيرهم.
ففي هذه الأعمال الهامة التي تمثل النتيجة التي توصل إليها الفنان مصطفى فتحي، بعد هذا العمر الطويل من الاعتكاف الاختياري، والانكباب المجتهد والدؤوب على البحث والتجريب، (وقد شكّل هذا المعرض التلويحة الأخيرة لهذا الفنان الذي غادر الحياة في الخامس والعشرين من يناير 2009)، تكوينات مدروسة، توزع فيها المعمار التشكيلي التجريدي، ضمن كتل أسهب الفنان في دراسة علاقتها بفراغ اللوحة الذي تعمد (للمرة الأولى) تركه رحباً واسعاً، لتغازل فيه الكتلة الفراغ، بكثير من الألفة المريحة والمعبرة.
كما أن بعض الأعمال الأخيرة، حملت نزعة لافتة، لاعتماد مفردات شكليّة قليلة، لكنها مبنية بقوة، وبشيء من الاختزال يقودها إلى صيغ جديدة، أقرب إلى الكتل المعماريّة التجريديّة المترابطة منها إلى الزخرفة، لكنها تشير في نفس الوقت، إلى الأم المولدة لها، والرحم التراثي الذي جاءت منه.
حملت أعمال هذا المعرض انعطافة جديدة، في تجربة مصطفى فتحي، توجت بحثه الهام الناهض على عملية استلهام مدروسة، ورؤية تشكيليّة غرافيكيّة معاصرة، للقيم البصريّة والدلاليّة، للخط الزخرفي العام، لفن طباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبية في سورية، وهذا الخط مزيج من الزخارف الإسلاميّة التي سادت في الشام ومصر وتركيا وفارس والهند...، وحتى الأندلس.
والتي امتزجت بالزخارف البيزنطيّة السابقة للإسلام، إلا أن التأثيرات الكبرى جاءت من الهند وتركيا ومصر، ثم تطور هذا الخط الزخرفي إلى صيغة خطيّة وزخرفيّة حديثة.
وهذه الصيغة هي التي أخذها الفنان مصطفى فتحي، واشتغل عليها طوال هذه السنوات، حملتها بأمانة أعمال معرضه الأخير التي عرض إلى جانبها، بعض القوالب والأختام التي استعملها في طباعتها على قماشٍ خاص، حَضّره بنفسه، وفق التقانات والأساليب والألوان التقليديّة التي درسها بإسهاب، واطلع ميدانياً عليها في أكثر من مدينة سورية، وتعرف على أبرز المشتغلين فيها.
وهذه التقانات تقوم على عدة طرق وأساليب، منها القوالب المحفورة حفراً غائراً، أو المطعمة باللباد والمعدن، أوالمصنوعة من المشمع (اللينوليوم)، أو المغلفة بالقماش، وهي خاصة بالتلوين، والقوالب المشكلة من رقائق معدنيّة (الشبكيّة)، والقوالب المعدنيّة المصقولة، والقوالب المحفورة في الخشب حفراً بارزاً، وهذه الأخيرة اعتمدها الفنان فتحي في منمنماته الجداريّة البديعة النقوش والألوان الحاضنة لخبرات تقانيّة وفنيّة كبيرة.
وليس هذا بغريب عنه وهو المسكون بهاجس عصرنة تراث هذه الأرض التي لم تتوقف يوماً عن استيلاد المبدعين، في المجالات كافة، وكانت النبع الثر الذي غذى شرايين الحضارة الإنسانيّة، أحقاباً طويلة.
محمود شاهين


