مازال باحثو ظواهر المسرح العربي يدينون بالسبق للمسرحي العراقي صلاح القصب في التبشير بمسرح الصورة، ومازالت مسرحيته الأولى «هاملت»، التي قدمها في العام 1980، العتبة التي تسجل في صالح انتقالات وتطورات البحث المسرحي العربي وما توصل إليه فضاء التجريب.
وحين ما يكلف المرء نفسه البحث عن ملامح مسرح الصورة، لا يجد إلا مطولات من المقالات كتبها مسرحيون يتغنون بالشاعرية البصرية التي تحلى بها القصب في علاجه واقتراحاته وحلوله الإخراجية في العروض التي قدمها .صلاح القصب الذي أبحر في قراءات جمالية مختلفة، كما رأى هؤلاء البحاثة، وهم عديدون ومن تجارب مسرحية عربية متباعدة جغرافيا، ذهب إلى فلسفة واحدة أسس عليها صناعة مسرحه، وهي الاعتماد على مخيال حر ولغة بصرية لماحة تحاول الدفع بطاقة التلقي عند المتفرج إلى أقصاها، حيث أعاد صياغة معادلة الفرجة بالاعتماد على ميزان حساس يتخلص من تكلسات النص ومن الجمل الحوارية المباشرة والطويلة والتقليدية.
ويتخلص من التزيين والديكورات التقليدية ليصل إلى ديكورات تذهب إلى المعنى والدلالة، ويتخلص من الزمان والمكان لكي يكون مشهده اقرب إلى الضربة الشعرية القاسية، الضربة غير المتوقعة، أو كما يحلو للبعض تسميتها بالأمكنة الافتراضية، كما في شعر الهايكو.. فالقصب في تجارب مسرح الصورة، فاجأ الجميع باقتراحات مكانية مختلفة ومغايرة في الكثير من المغامرة الواعية، والفلسفة، فالمكان الذي يؤسسه القصب يذهب بعيدا عن الاقتراحات التي تطرحها كلاسيكيات النص الأدبي الذي يشتغل عليه، وبالتالي اندفع النقاد وهم يقرؤون تجاربه في مسرح الصورة إلى الانتباه لمسار القصب الذي يسير عليه في تأسيس منهجه البنائي للفرجة التي يقصدها، فالمكان اختيار ضمن جملة الهدف الذي يسعى إليه، قراءة مختلفة، تذهب بعيدا عن الاعتيادي.
وأيضا لا تذهب بعيدا في الفضاء المطلق ونحو التجريب الصارخ، حيث تتأسس الأشياء على خشبة المسرح بناء على ترابط فلسفي مشغول ومدروس ومكشوف وغير متعال على متلقيه...
رؤى سوريالية
إنها رؤية إخراجية تؤسس فلسفتها الجمالية من اجل المشاهد الذي يجب، وحسب القصب، أن يرى المسرح من ناحية جوهره ولا من ناحية كلاشيهاته الجاهزة والتقليدية، وإذا كانت الجمل الحوارية ستقوم بإيصال خطاب الفكرة، فان مفردات أخرى تستطيع أن تفعل أكثر من ما تفعله تلك الجمل المباشرة أو اللغة المنطوقة.
ذهب القصب إلى زاوية مختلفة وفتح باب المسرح عليها، مثل الرؤى التي قادت سلفادور دالي إلى لوحاته السريالية، المؤسسة على فكر وموقف بمعطيات فنية هي ذاتها التي يلهو بها التشكيليون، لكن عند دالي تغمست بسريالية ذات خطاب واع.
وقتها وجد العرب المسرحيون أنفسهم أمام صورة مختلفة لمسرح غمست أطرافه لسنوات طويلة في كلاسيكيات وأطر لم يخرج ولم يتمرد عليها بقوة، حتى في أعمق التجارب تشظيا واندياحا نحو التجريب وفتح رؤى وفضاءات جديدة قابلة للتأويل، وقابلة لإشعال فتيل المعنى.
واحتسب العراقي القصب مبشرا ومن بعدها توقفت دراسة البحاثة لتلمس التبشير عند العديد من الذين جاءوا بعد القصب، أو من جاوروه في الزمان وربما المكان أيضا.. اكتفى المسرحيون العرب بلصق قدوم مسرح الصورة إلى الساحة العربية على يد القصب وكأنهم توقفوا عند ذلك الحد..
فهل هذا التوقف يعني انتهاء المجال الذي لم يتسع إلا لتجارب قليلة وعديدة، ولمبشر بقي وحده قابضا على تبشيره؟ أم اندياحات التبشير فتحت افقها عند مسرحيين آخرين جاءوا من بعد القصب لكن صعقة الفتح الأول أقصتهم إلى الهامش؟ ثم هل أن مسرح الصورة اخذ مداه الطبيعي في المسرح العربي كأسلوب يشكل فتحا جديدا يثور على التقليدية المسرحية العربية؟ أم انه توقف عند مبشره؟
أسئلة مشروعة في ظل واقع البحث المسرحي العربي الذي، وكما يبدو، وقف عند عتبة واحدة وفاصلة. ثم أيضا هل كون مسرح الصورة ظاهرته الواضحة؟ أم انه يظهر هنا وهناك وكأنه التماعات، فالتجريب العربي في إطار المسرح اخذ زمانه عبر أكثر من عقدين من الزمن، والمسرحيون العرب لم يتوقفوا عن فتح فضاءاته.
ولا يمكن نكران تجارب مسرحية عربية ذهبت بعيدا في كسر التقاليد المسرحية في سوريا والمغرب وتونس ومصر، فهناك تجارب مشهود لها، وهناك مخرجون ومؤلفون ودراماتورجيون، وعوا باكرا أهمية التفتيش في فضاء المسرح عن ملامسات جمالية وذات دلالات عميقة، ومنها اشتغلوا على مشهديات بصرية غاية في الأهمية.
مسرح الصورة بعد القصب إلى أين؟
يقول المخرج المسرحي العراقي محمود ابوالعباس: إن مسرح الصورة هو حالة ترفية في المسرح العربي، إذ تفترض وجود متلق على درجة عالية من السوية المسرحية حتى يستطيع التقاط شفراته، لهذا فانه مسرح نخب ولم يستطع الاقتراب من الجمهور العادي لهذا الأمر، أما لماذا توقف صلاح القصب عند المسرح، فلأنه هو الذي تبناه وبشر به بعد أن استوعب فلسفته من معلمه أثناء دراسته للمسرح في رومانيا.
وجاء إلى العراق لينكب على تجارب عديدة في هذا النوع من المسرح، فقدم نصوص شكسبير معتمدا على إلغاء الكلام الذي يسميه ثرثرة الممثلين، وقد عملت معه حين كان يشتغل على مسرحية «العاصفة» التي وظف لها الكثير من التقنيات الحديثة، واعتمد على الأشرطة السينمائية واستنطاق الدلالات والإشارات، من خلال توظيفاتها التي عمل عليها، وفي مهرجان بغداد شاهدنا له «هاملت» و«الملك لير» و«الخال فانيا» لتشيخوف..
إلا انه أيضا لا يمكن إغفال تجارب التونسيين الحبيب شبيل والفاضل الجعايبي، وفي مصر سمير عصفور، وبالعودة إلى العراق هناك شفيق المهدي، وكذا آخرون في أرجاء الوطن العربي عرضوا مسرحهم واشتغالاتهم على الفرجة في توجه نحو منهج مسرح الصورة».
وأضاف أبو العباس:« لكن هذه التناولات المتواترة لا تقصي المسرحي صلاح القصب من منزلة ريادته لهذا النوع من المسرح، ذلك لأنه كرس حياته المسرحية لها، واستمر فيها، وذهب بها إلى أقصاها، فالآخرون الذين نسجوا على منوال تجاربه الأولى، بقوا محافظين على كلاسيكيات المسرح، فلم يتخلصوا من الحوارات والمونولوجات، أي كلام النص، بالرغم من اشتغالهم على الفرجة البصرية، ولكن القصب كان قد ذهب ويذهب بعيدا في هذا الأمر، ولهذا يبقى النقد المسرحي العربي متوقفا عند القصب كرائد لهذا النوع من المسرح».
حرفية وسبق
هناك دراسة متخصصة أجرها فاضل سوداني (شاعر وأستاذ جامعي ومخرج مسرحي وباحث أكاديمي في الفن)، والذي لديه دكتوراه في الإخراج والعلوم المسرحية، وهو المدير الفني لفرقة كوبنهاغن.
وهي دراسة بحثية مطولة حول مسرح الصورة وانطلاقاته وجذوره الأولى، ويشير فيها إلى تجربة صلاح القصب، مؤكدا على أن الكثير من الدراسات والعروض والتيارات والتجارب المسرحية الأوروبية، التي سعت إلى تحقيق الجانب البصري كلغة جديدة في الإخراج المسرحي، بدءا من تجارب غوردون كريغ وراينهاردت ومايرهولد وادلف ابيا ومخرجي مسرح الطليعة الفرنسيين.
وانتهاء بتجارب بيتر بروك وكانتور ويوجين باريا والياباني تادشي سوزوكي، وكل ما يرتبط بتجارب مسرح الصورة الأوروبي، تكتشف الإمكانيات الجديدة في اللغة المسرحية للوصول إلى أساليب عمل غير مكررة.
حيث يمكن وبسهولة تأشير بعض المسارح التي مازالت تقدم تجاربها المسرحية المتميزة والمبنية على الطاقة التعبيرية للجسد والصورة في الفضاء الإبداعي، بالرغم من اختلاف اتجاهاتها والتسميات التي يطلقونها على تجاربهم المسرحية، كمسرح «الاودن» ومخرجه يوجين باربا، ومسرح الصورة الدنمركي.
والمبدأ الأساسي الذي يقوم عليه مسرح الصورة هو وضع عدة عناصر وأشكال مختلفة أساسا، بصورة متعاقبة أو دمج دلالاتها أو تناقضها لإنتاج معنى جديد. وتتميز حركة هذه العناصر والأشكال بإيقاعها المبطئ، ما يجعل هذه العروض تحفر في الذاكرة.
ويضيف فاضل سوداني: «إن مسرح الصورة الأوروبي استخدم أماكن العروض التقليدية، لكنه يحولها إلى أماكن عرض غير تقليدية من خلال التوسع وإطلاق ذاكرة المكان وإيقاع الأشياء والكتل في المكان والفضاء والبعد الفلسفي الماورائي لحركة الجسد، ويعمد إلى استخدام فضاء المدينة ويكيفه للعرض حيث تمتلك لغة مسرح الصورة خصوصيتها التعبيرية وغرابتها، ويعتبر الجسد والأشياء في الفضاء مفردات مهمة لإنتاج معنى وإعطاء منحى بعد سميولوجي ودلالي جديد.
وتتميز حركة الأجساد والأشياء بالعنف تحقيقا لمقولة أنتونين آرتو «كل ما يتحرك عنيف»، وبالرغم من أن الممثل يبدو وكأنه يرقص مذبوحا إلا أن للعنف هنا مفهومه الآخر، بمعنى أن مكونات الصورة وحركة الممثلين البطيئة، والأشياء الأخرى في الفضاء تتحقق بشكل تكشف من خلاله عنفها غير الطبيعي. ومثل هذا الاستخدام لمكونات الفضاء يوحي بقدرتها على التفاعل. لذا فان عروض هذا المسرح تبدو وكأنها عودة بالمسرح إلى الطقوس الدينية والأسرار الغامضة للحياة.
مرعي الحليان


