يومه يبدأ بدلال ومشاغبات ومتطلبات لا تنتهي، وما على الأم سوى تحقيق رغبات صغيرها، فهو حبها الأول وحاضرها ومستقبلها. بالوعود والآمال يُضيء وجهه الجميل بابتسامة رضا وحب ودلال وشقاوة، جميعها معاً، وهكذا يكون يومه حتى يداعب النوم جفونه، فماذا يحدث؟

حكايات وحكايات من نوع آخر، داخل حجرته الوردية المزينّة بألوان قوس قزح وألعاب تشاركه يومه ومنامه، ينام الصغير على سرير، على شكل سيارة لا تقل عنه مشاغبة، ويرتدي «بيجامة» مطبوع عليها الدبدوب وتوم آند جيري وسندباد، ووراء إغماضة جفونه الصغيرة، عالم رائع ملون بالخيال والحكايات.يضع الصغير ذراعيه حول أمه في حنان واحتياج، وبدورها تحتضنه ويبدأ إطلاق الخيال، حول العالم كله حكايات وأساطير يسمعها الصغير بين اليقظة والمنام.«كان يا ما كان، في قديم العصر والزمان، طفل صغير وطفلة جميلة، يسكنان كوخاً من القش الملون مع جدتهما في الغابة.

في يوم وضعا حبوب القمح في جيوبهما وانطلقا يجريان وراء الأرنوب ذي الفراء الأبيض وعيون كالكهرمان الأحمر، فيقع القمح من الجيوب ليرسم لهما طريق عودتهما للكوخ.. ولكن جاء غراب رمادي لمح القمح من فوق الغصن، وبدأ يأكله، في قلب الغابة تاه الصغيران، وغابت الشمس وراء الأفق، ولكن غزالاً صغيراً صاحبهما للمنزل، ومعهما جلس الغزال يأكل الخس والجزر والأعناب، ونصحتهما الجدة بأن للغابة ألف طريق وطريق، ليست مخصصة للصغار».فهما الدرس، وانتهت الحكاية، حكاية حب الاستطلاع ورغبة في معرفة كل شيء، الفضول وعلامات الاستفهام هما جزء من عالم الصغار، و«توتة توتة، انتهت الحدوتة!».

هكذا، حكت الأم لصغيرها الذي نام وابتسامته الجميلة تضيء وجهه، فهي واحدة من حكايات الأخوين الألمانيين «غريم». بكل الحب، وقبلة على الجبين ونظرة رضا، وشكر لله الرحيم الكريم، خرجت الأم من حجرة الصغير، على وعد اللقاء في صباح يوم جديد.

إنها حكايات وحواديت قبل النوم التي تربى عليها أطفال العالم كله منذ السنة الأولى من أعمارهم، وبجوارهم أمهاتهم تحكي، وتحكي من وحي الخيال والواقع معاً، حدوتة صغيرة كطفلها الصغير.

يكبر الصغير سنة بعد أخرى، ولكن حدوتة ما قبل النوم تتطور مع سنوات عمره، حتى يكبر ويقرأ كتابه المفضل قبل النوم بعد أن طوّر حجرته لتأخذ شكلاً آخر من أشكال المشاغبة في مرحلة المراهقة، فيها يقرأ قصص الحب والغرام وحواديت العشق والجمال، والصغيرة تقرأ عن فتى الأحلام، وفي النهاية يندرج كل ذلك مع تدرج السنوات، ليأخذ اسماً واحداً: «حدوتة قبل النوم»، سواء أكانت تملى على مسامع الصغار، أو يقرؤونها بعيونهم وبقلوبهم يعشقون أبطالها.. كلها حكايات في حكايات.

البدايات

ولكن ما هي أول حكاية وحدوتة للصغار كانت بين دفتيّ كتاب؟

أول كتاب للأطفال كتبه الأديب والشاعر الفرنسي «تشارل بيرو» في العام 1697 بعنوان «حكاية أمي الاوزة»، وتضمن هذا الكتاب حكايات شعبية وخيالية، دفعت بكل كُتّاب أوروبا، وقتذاك، للكتابة للصغار والاهتمام بالرقي بخيالهم.

ومن أشهر كتب وحكايات الأطفال حينها «سندريللا» التي كتبها تشارل بيرو أيضاً، ولكن الكتابة للأطفال في مجال القصص لم تأخذ الشكل الجدي المنظم إلاّ في القرن الثامن عشر الميلادي، بعد ظهور «جان جاك روسو» الذي اهتم بالكتابة للأطفال، بالإضافة لاهتمامه بالطفل كإنسان حر ناضج، فقط تنقصه التجربة.

ثم ظهر بعد ذلك الشاعر الفرنسي «لافونتان»، الذي قرأ له كثيراً الشاعر أحمد شوقي وتأثر به، وكان يطلق على «لافونتان» وقتذاك اسم «أمير الحكايات» في الأدب العالمي للطفل.

وفي انجلترا في القرن الثامن عشر أيضاً، كانت حركة تأليف كتب الأطفال تأخذ شكلاً تعليمياً أكثر منه خيالياً أو للتسلية، ومن أهم هذه الكتب في تلك المرحلة كتاب «وصية للابن» لـ «فرانسيس أوزبورن»، ثم ترجم «روبرت سامبر» كتاب «أمي الإوزة لتشارلز بيرو» الذي لاقى اهتماما رائعا في مجال كتب الأطفال، ونجح الكاتب البريطاني «روبرت سامبر» بعد هذه الترجمة، في أن يؤلف العديد من كتب الصغار.

وفي القرن العشرين، الذي يعتبر العصر الذهبي لأدب الأطفال في الغرب، ظهر العديد من الكتاب المتخصصين في أدب الأطفال، وأهمهم على الإطلاق آنذاك، في بدايات القرن، «تشارلز ديكنز»، و«بيتر ديكنسون».

وظهر في ألمانيا في المرحلة ذاتها الكاتبان «الاخوان جريم»، أثريا أدب الأطفال الذي كان يدرس في المناهج المدرسية في ألمانيا والعالم كله، بما في ذلك العالم العربي، ومصر بصفة خاصة، لانتشار ثلاث مدارس ألمانية بها في منتصف القرن العشرين، أو ما قبل ذلك بقليل.

ومن أشهر كتب «جريمز»، «هانزل أوند جريتل» بفَ»مٌ ِِّّل هْميُّمٌ ، «ليلى والذئب»، «وميض الثلج»، «الساحرة الشريرة» و«الأميرة النائمة»، وجميعها كتب تتلمذنا عليها في المدارس الألمانية، فكان جيلاً واسع الخيال، خصب التفكير، عميق الفهم.

«جريمز» بحق هما رائدا أدب الأطفال في العالم، فكتبهما كانت ينبوعاً للتسلية والثقافة وتنشيط الخيال وتعليم المبادئ، مثل قبول الحياة كما هي، لا كما ينبغي أن تكون، وترمز لذلك قصتهما «البطة القبيحة».

ويعتبر الكاتب الإيطالي إتيالو كالفينو رائد كتب الأطفال في ايطاليا في العصر الحديث، وامتاز أدب الأطفال في ايطاليا بارتباطه بالواقع مع الخيال المحلق، وأبرزها قصة «جيب في التلفزيون» للكاتب الإيطالي العالمي «جين رودارتي» وهي شبيهة ب«أليس في بلاد العجائب».

وملأ أدب الأطفال الدول الأوروبية والأميركية وجنوب شرق آسيا المكتبات، وأصبحت كتبه رائجة في العالم كله مع تنوع اتجاهاتها واهتماماتها، سواء كانت تعليمية أو خيالية، أو كلتيهما معاً.

وماذا عن الأدب العربي في مجال أدب الأطفال؟

إنه أدب ثري ثراء فكر كتابه ومؤلفيه ورساميه الذين تخصصوا في رسم أبطال قصص الأطفال وأغلفة الكتب، فكتب الأطفال في العالم العربي هي قصة حضارة بأكملها، وهي في حد ذاتها حكاية تحكى، حكاية أدب للأطفال ولد عملاقاً.

ظهر أدب الأطفال في مصر حديثاً في زمن محمد علي باشا عن طريق الترجمة، نتيجة للاختلاط بالأجانب والانفتاح الأدبي والعلمي على الغرب وإرسال البعثات للخارج، ويعتبر «رفاعة الطهطاوي» أول من ترجم كتبا للأطفال، وكان مسؤولاً عن التعليم في ذلك الوقت، ومن أهم قصصه المترجمة: «حكايات الأطفال» و«عقلة الصُباع».

وأدخل رفاعة الطهطاوي كتب أدب الأطفال في المناهج الدراسية بالمدارس المصرية، ولم يظهر بعد وفاته من اهتم بهذا الاتجاه، حتى جاء أحمد شوقي الذي عرف وقرأ وترجم أدب الأطفال أثناء وجوده بفرنسا، فكتب بعد عودته إلى مصر قصصاً للأطفال على ألسنة الحيوانات والطيور، وأهمها حكايات «الصياد والعصفورة» و«الديك الهندي» و«الدجاج البلدي»، إلى غير ذلك من الحكايات في ديوان «الشوقيات»، ومن قوله في قصة «الثعلب والديك»:

برز الثعلب يوماً

في شعار الواعظينا

ويقول الحمد لله

إله العالمينا

ألف شوقي الأغاني والأناشيد والأشعار للصغار؛ وبلغت بمجملها أكثر من ثلاثين في القصة والشعر ، وكان لقصصه مغزى وهدف، بالإضافة للتسلية والفكاهة.

وشهد أدب الأطفال في مصر طفرة كبيرة على يد كامل الكيلاني الذي اشتهر بكتبه للصغار، ومنها: «السنبداد البحري» وكان يهدف من كتاباته للصغار ترغيب الطفل في القراءة وتوسيع مداركه وخياله وصقل مواهبه، وتأثر الكيلاني بأبي العلاء المعري وشخصية جحا، وترك مجموعات هائلة من أدب الأطفال تعرف باسم «مكتبة الكيلاني».

وظهر في مصر في النصف الأول من القرن العشرين وما بعده، نوع من القصص الدينية للأطفال تعرفهم بدينهم الإسلامي الحنيف، وقد اشتهر في هذا المجال الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحار الذي تصدى للتيار الأجنبي الذي لا يناسب الأطفال العرب.

وكان دائم التوصية من خلال المؤتمرات والندوات بأن قصص الأطفال في عالمنا العربي لابد وأن تؤكد على القيم العربية الأصيلة، ومنها القيم الأخلاقية والدينية والإنسانية، بأسلوب سهل رشيق في كتب جذابة ملونة. وأبرز كتاب الأطفال في مصر: أحمد نجيب، كامل الكيلاني، يعقوب الشاروني، محمد سعيد العريان.

مجلات متخصصة

وجنباً إلى جنب مع كتب الأطفال في مصر، ظهرت مجلات متخصصة في أدب الأطفال، لاقت ومازالت تلاقي الإقبال الشديد عليها، حيث تربى عليها جيل بأكمله من الأطفال، وهم حالياً رجال ونساء في أعلى المناصب، تثقفوا في طفولتهم على أدب الأطفال ومجلات الأطفال، إذ بعض هؤلاء الصغار يذهب بصحبة الأهل لمحطات القطار في المحافظات لشراء المجلات الطفولية، قبل توزيعها عند باعة الصحف والمكتبات، خوفاً من سرعة نفادها.

وكان أطفال العائلات الثرية يشتركون في هذه المجلات والدوريات الخاصة بالأطفال، فتأتي لهم إلى المنزل في كل أسبوع.

ومن هذه المجلات «سمير» و«ميكي» وكانت تصدرهما دار الهلال.

وفي الكويت، اهتمام كبير بأدب الأطفال في شكل كتب ومجلات، منها مجلة «سعد» للأطفال التي تتميز حكاياتها بالتشويق والخيال وطرح المبادئ والأخلاقيات الايجابية في الطفل، بالإضافة للرسوم المتحركة المحلية التي تعتبر نوعاً من أدب الأطفال المرئي. وفي تونس، يوجد مجلتان للأطفال والشباب باسم «شهلول وعرفان»، ومن أشهر كُتّاب الأطفال في تونس «محمد العروسي».

ويوجد في البحرين بعض الكتاب المهتمين بأدب الأطفال، منهم «حميدة خميس». وفي سوريا اهتمام كبير بالطفل والأدب الموجه له، والذي يندرج في المناهج الدراسية، لأنه يسهل العملية التربوية والتعليمية في شكل «حدوتة»، يمكن عن طريقها فهم مبادئ التاريخ الذي يعتمد على أحداث في أزمنة مختلفة، ولأن الطفل والنشء يصعب عليهما تفهم فكرة المكان والزمان، فإن قصص الصغار تسرد الأحداث بسلاسة تامة.

الإعلام وحكايات الطفولة

يؤكد علماء نفس الطفل على ضرورة أن تقوم الأم أو الأب أو الشقيقة الكبرى للصغير، بسرد الحكاية، ولا يترك سردها للخادمات بالمنزل، لأن توصيل الحكاية قد يكون خاطئاً ولا يستند إلى وعي خاص تفتقده الخادمة، خاصة اذا ما كانت أجنبية، فهنا تكون المشكلة، حيث إنها تروي حكايات من مجتمعات مختلفة، قد لا يستوعبها الصغير في سن مبكرة، بالإضافة إلى أنها يصعب عليها اختيار ما ترويه للصغير، فيشب على خيال وفكر مختلف.

ولكن ماذا عن دور الإعلام؟

مؤكد أن للإعلام دورا مزدوجا، فمنه الإيجابي الذي يوصل للصغار حكايات وخيال خصب حتى إذا كان مستورد الفكر والمعنى، مثل مغامرات الفأر والقط التي تربى عليها أجيال وأجيال، و«توم آند جيري» هو الخيال الأول للصغار منذ أكثر من نصف قرن أو يزيد.

وهو خيال وحكايات مرئية كرتونية، تتسم بالسرعة في الحركة والمشاغبات والأفكار المتجددة، وهذه النوعية من الرسوم المتحركة هي أدب أطفال متطور يعتمد على الصورة المتحركة، بالإضافة إلى أنه يمكن إعادة سرده على مسامع الصغار في شكل حدوتة قبل النوم.

إن مغامرت سندباد وبكار، هي أيضاً حكايات ذات مغزى تربوي عال، يستمتع بها الصغار قبل النوم، وأيضاً أثناء النهار.

ولكن هناك أفلاماً أبطالها أصدقاء الأطفال، ولكنها تشكل خطورة نسبية عليهم، مثل أفلام «سبايدرمان»، فهو خيال جامح عنيف، وقد شهدت العديد من عواصم العالم، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، حوادث وقوع الصغار من النوافذ لأنهم قاموا بتقليد «سبايدر مان».

ومن هنا لابد من حجب هذه النوعية عن الأطفال والنشء، حتى سن العاشرة.لابد أن يكون وعي الأسرة عالياً حول كل ما يتلى على الأطفال أو يشاهدونه أو يقرؤونه في مرحلة متقدمة بعد سن الطفولة، فالعديد من مؤلفات أدب الصغار، المترجمة، لا يتماشى مع المجتمعات العربية من حيث المغزى والمحتوى والمعنى.

كما يوجد حكايات أخرى لا تمت لأدب الصغار، ظهرت في الآونة الأخيرة، وهي الرسوم المتحركة باستخدام الدُمى التي تُروج للإعلانات المختلفة، ويصاحبها كلمات نابية خارج حدود اللياقة اللفظية والأدبية، وهنا تطل مشكلتان، وهما تربية الصغار على حب الاستهلال وخلق شخصية أنانية مادية، واستخدام الصغار لمفردات نابية يلتقطونها بسرعة هائلة خلال مشاهدة الإعلانات.

وفي العالم كله حظر هناك لمثل هذه النوعية من الإعلانات خلال إذاعتها في مواعيد يكون فيها الصغار أمام شاشات التلفزيون العملاقة ذات الجودة العالية في الصوت والصورة، ولكن يمكن إذاعة هذه الإعلانات بعد العاشرة مساء، ويكون ذلك مسبوقاً بتنويه أسفل الشاشة.

إن حكايات الصغار وهي منظومة متكاملة في عصرنا الحديث، لا تعتمد فقط على حكاية ناعمة ناعسة قبل النوم، وإنما دخلت عليها اعتبارات أخرى فرضها منطق العصر اللاهث الذي نحياه.

والسؤال هنا، هل أن صغار هذا العصر سيكونون في المستقبل مثلما كان الصغار منذ خمسين عاما، حيث تربوا بهدوء ووعي ومثالية في عالم ومجتمعات ترفض كل ما هو سيء ورديء؟!

وللإجابة لابد من الاستماع للإعلاميين والكتاب والأسرة ومنظومة التعليم والمجتمع كله. ولكن ستبقى حدوتة قبل النوم هي الوجبة الأدبية لذيذة المذاق، التي تصر الأمهات حتى اليوم على سردها لصغارهن، لتنتهي بقبلة على جبينهم، ومن ثم تركهم مع أحلام وردية.

منى مدكور