تعني كلمة الطفولة، توصيف وتحييد مرحلة زمنية من عمر الإنسان، لها ميزاتها واحتياجاتها ومواصفاتها، لكن في جميع الأحوال يمكننا التأكيد على أن الطفولة تبدأ من الولادة، وتمتد إلى بدء مرحلة المراهقة،وثمة سنوات يستقبل فيها الطفل المؤثرات الخارجية.
ويتفاعل في تلك السنوات مع الخارج أكثر من غيرها، وهي التي تمتد من الثالثة وحتى السادسة، والإنسان يبقى حاملاً المؤثرات التي اكتسبها في السنوات الثلاث تلك. بدايات اهتم الإنسان بتوجيه الطفل منذ القدم، ونجد في التراث الإنساني أشكال التربية والتوجيه للطفل، ففي التراث اليوناني وجه الشعراء والأدباء بعض نتاجهم إلى الطفل، ومنهم على سبيل المثال: موسخوس، يوريبيديس، بيون، ثيوكريتوس.
ولقد خاطب بيون الطفل قائلاً:
يا بني لا تلجأ إلى الناس دون مبرر
ولا تعتمد على الغير في إنجاز عملك
حاول أن تصنع مزمارك بنفسك
كل شيء يتم بمشيئة الآلهة
أراد بيون أن يعتمد الطفل على نفسه، وهو يشق طريقه في الحياة، وفي الوقت ذاته، جعله يشعر بأن الله يكون في عون مَن كان في عون نفسه، وهو يدفع الطفل بذلك نحو تحمل المسؤولية تجاه الحياة والشعور بها، ولكي يعتمد على نفسه.
ونجد في التراث المصري القديم(الفرعوني)، العديد من أشكال العناية بتوجيه الطفل، ومن ذلك قصيدة نشيد النيل، لأحد الشعراء، آنذاك، والتي تقول للطفل:
حمداً للنيل ينزل من السماء
ويسقي البراري البعيدة عن الماء
وينتج الشعير، وينبت الحنطة
وهو سيد الأسماك
وهو الذي يحدد للمعابد أعيادها
كما اهتمت الإمبراطورية الفارسية بأدب الطفل، وتركت تراثاً جيداً، ومن ذلك ما ورد في كتاب «أصل الخليقة»، حيث يجيب الطفل الذي يسأل عن الزمان قائلاً:
الزمان من كلا المخلوقين أقوى
الزمان من كل متملك أملك
الزمان من كل ذي علم أعلم
زماننا يمضي ويتفرق
لا يمكن للروح أن تتخلى عن الجسد
ولا حين تطير في الأعالي
كما خاطبت حضارة وادي الرافدين الطفل في ملحمة جلجامش، وهي تقول له:
من سلك سبيل العدوان واغتصبت يده ما ليس له
من نظر نظرة رضا إلى مواطن الشر
من بدّل الوزن الكبير بالوزن الصغير
من أكل ما ليس له ولم يقل ما حدث
فسوف يعاقب على جرائمه
الطفل في التراث العربي
تزخر ألوان الإبداع في التراث الشعري العربي بأشكال الكتابة للطفل، حتى أن كبار الشعراء خصصوا بعض قصائدهم للطفل، وقد لفتت لعبة ـ «الزحلوقة» التي يلعب بها الأطفال نظر امرئ القيس، فكتب يقول:
لمن زحلوقة زل بها العينان تنهل
ينادي الآخر الأول إلا حلواً إلا حطوا
وفي معلقته يقول عمرو بن كلثوم، رافعاً معنويات الأطفال في مجتمعه:
ألا بلغ بني الطماح عنا ودعميا كيف وجدتمونا
إذا ما الملك سام الناس خسفاً أبينا أن نقر الذل فينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نلمؤه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا
ويقول الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: «اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأؤكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة.
وهو قالب لكل ما يملأ به، فإن عوّد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدبوه، وإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والولي له».
ويصف معاوية ابنته ب«تفاحة القلب»، حيث دخل عمرو بن العاص عليه وعنده ابنته عائشة فسأله عمرو: «من هذه يا أمير المؤمنين ؟»
فرد: «هذه تفاحة القلب». ثم أضاف:» فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأخوان إلا هنَّ «.فقال عمرو: «يا أمير المؤمنين إنك حببتهن إليّ».
وكان الزهير بن العوام يرقص ولده ويقول:
أزهر من آل بني عتيق مبارك من ولد الصديق
ألذه كما ألذ ريقي
تركيز مكثف
حدثت قفزات نوعية راهنا، في مستوى وأفق ونوعية العناية ببناء شخصية الطفل، وقد تمتع الطفل في العصر الحديث، بمنزلة عالية من العناية والاهتمام، حيث أولت الدول المعاصرة عناية جيدة لمكتبة الأطفال، ففي روسيا أطلق في بداية القرن العشرين نحو 8000 مكتبة مخصصة لأدب الأطفال، تحت إشراف وزارة الثقافة، وأما وزارة التربية فيها، فقد أطلقت نحو 000 154 مكتبة، تحتوي على أدب الأطفال يمكن للطفل أن يقرأ ويستعير الكتاب الذي يشاء.
وفي المجر أولت الدولة بالغ اهتمامها بثقافة الطفل، فصدرت قرارات رسمية لدعم المكتبات الخاصة بالطفل، ما أدى إلى زيادة عدد المكتبات من 47 مكتبة سنة 1957 إلى 190 مكتبة سنة 1972.
كما يخصص في المكتبات في السويد نحو أربعين قسماً خاصاً بالأطفال في المكتبات العامة. ولم تغفل الدول العربية عن ذلك، فأولت الطفل الكثير من العناية والرعاية من خلال تبني المطبوعات الموجهة إلى الطفل، وكذلك من خلال مجلات الأطفال، والمسابقات والجوائز التي تحفز على إنتاج أدب الطفل.
عبدالباقي يوسف

