يربط الناس كلمة الفن بالفنون التقليدية التي عرفناها، لذلك حينما نقول إن فلاناً فنان يعتقدونه مطرباً أو ممثلاً أو رساماً، غير أن الفن صفة بشرية، فالإنسان فنان في الفطرة. والفن صفة شمولية لكل عمل إبداعي لا يتحدد بفئة أو مهنة أو ممارسة، قد يكون الفنان حداداً، لأنه يقدم نتاجاً مختلفاً عن الحرفية، وقد يكون بناء أو صحفياً أو مهندساً أو نجاراً يتفنن في تحويل الخشب إلى قطع فنية نتمتع بجمالها.
على سبيل المثال كل المعلمين ممثلون، رغم أنهم لم يتعلموا فن التمثيل، وأن أكثر المعلمين تفنناً وإبداعاً في مهنته، معلمو المراحل الابتدائية المتدنية، المعلم الفنان هنا الذي يستطيع أن يمثل على الطالب فيلفت نظره ويرتبط به ثم يعلمه كيف يفك الحروف بأسلوب شيق وتمثيلي.
تذكر معلمك الأول.. وراقب حركاته وانفعالاته أثناء حصة الدراسة، ثم التقي به خارج الحرم المدرسي ستجده إنساناً آخر.
ما زلت أحب معلمي في الصف الأول الابتدائي إلياس يلده، وكنا نعجب به وهو يغني معنا أناشيدنا البسيطة التي تتعلق بالقطة، والديك، والخروف، ولم أدرك سر إعجابي وارتباطي به إلا حينما كبرت وفوجئت به ممثلاً مبدعاً في مسرحية شاهدتها وأنا صبي بعنوان (شعلة في الصحراء) ثم حينما تعمقت في دراسة المسرح وقمت بتطبيقات عملية للنظريات التي قرأتها وجدت أن المعلم فنان بالفطرة والضرورة.
ومثال آخر:
كرة القدم.. وسر شعبيتها عند الناس، وأثرها في شعوب العالم على مختلف القارات، كل ذلك يرتبط بفن اللعب، يترقب الناس نجوم الكرة والفرق التي عرفت بمستواها الفني الكبير للتمتع بالمشاهدة، ولولا هذا الفن الجميل للاعبي الكرة لما استطعنا أن نتمتع بهذه اللعبة.كل مهنة ترتبط بالفن.. أي بالفعل الذي يحققه الإنسان خارج المألوف.
حتى التمتع بالفن.. فن.. لأنك لو لم تكن مهيئاً لسماع السيمفونيات العالمية لما استطعت أن تصغي إلى إبداعات باخ وبتهوفن وموزارت، إن المستمع فنان وإن لم يكن كذلك لكان كل عامة الناس يتذوقون الفن الجميل سواء كان لوحة فنية أو معزوفة موسيقية أو فلم... الخ، الغريب أن الترجمة الحرفية القاموسية لكلمة فنان هي الحمار، ويقول جواد علي قل مفن ولا تقل فنان، غير أني قرأت مؤخراً لأنيس منصور أن في هذه التسمية بعداً لم نكتشفه إلا لاحقاً في إطار البعد الفلسفي للكلمة فالمقصود هنا، ليس الحمار، إنما فعل الحمار، أي ما يفعله الحمار من حركات وانتقالات وصفات مقرونة بالحمار ذاته أي تحديداً كما يقول منصور:
«أنت فنان كالحمار في القفز والجري من فن إلى فن» عجبي على هذا التفسير الفلسفي إلا أنني لا أعجب حينما أؤكد أن كل واحد فيكم أيها الأصدقاء فنان في مجال عمله، على أن تكون مبدعاً.
