قامت منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وانبثق عنها مجلس الأمن الدولي الذي يضم خمس دول أعضاء دائمين فيه، وهؤلاء الأعضاء الدائمون هم «خمسة يسيّرون الجميع»، كما جاء في عنوان كتاب الأستاذ الجامعي الأميركي دافيد ل. بوسكو مع عنوان فرعي يقول: «مجلس الأمن الدولي وصناعة العالم الحديث».

ويشرح المؤلف أن مجلس الأمن الدولي محرك فاعل في قلب السياسة العالمية منذ الجسر الجوّي الذي أقامه العالم نحو برلين بعد الحرب العالمية الثانية إلى حرب العراق التي اندلعت في ربيع عام 2003 ولا تزال مستمرّة حتى اليوم. وما بين هذين الحدثين واجه مجلس الأمن الكثير من النجاحات ومن الإخفاقات أيضاً. لكن هذا لا يمنع واقع أن هذا المجلس كان، في جميع الحالات، هو الإطار الذي جمع الخمسة الكبار، أعضائه الدائمين الذين يمتلكون جميعاً ممارسة حق النقض-الفيتو ـ فيه.

وكان مجلس الأمن قد قام في سياق الحرب الباردة، وبدأ بممارسة نشاطاته بتاريخ 17 يناير-كانون الثاني من عام 1946. وذلك في أجواء كانت تلوح فيها بوادر العداء بين الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وبين الاتحاد السوفييتي.

حيث كان الطرفان يشكلان القوتين المنتصرتين الحقيقيتين في تلك الحرب والقوتين العظميين الوحيدتين في العالم. وبتاريخ 17 فبراير - شباط من نفس العام 1946، أي بعد شهر واحد من بداية نشاطات المجلس، جرى استخدام حق النقض للمرة الأولى من قبل أحد الأعضاء الدائمين، وكان الاتحاد السوفييتي. وكان ذلك ؟ الفيتو- كما يشير المؤلف هو لكبح قرار كان يعدّه المجلس حيال سوريا ولبنان.

ويعرّف المؤلف ما يقدمه في تحليلاته، أنه يخص تاريخ أكثر من 60 عاماً من الأزمات والنزاعات الدولية كما جرى نقاشها داخل مجلس الأمن الدولي الذي كان قد أنشئ في الواقع من أجل تلك الغاية.

وبالاعتماد على سنوات من البحث المعمّق يجد القارئ في هذا الكتاب توصيفاً لـ «المعارك السياسية» ولـ «صراعات الأشخاص» التي شهدها مجلس الأمن الدولي الذي «يتساوى أعضاؤه الدائمون في الحقوق والواجبات». ذلك على قاعدة أنهم يمثّلون الأمم الخمس الأكثر قوة في العالم والتي من واجبها بالتالي «المحافظة على السلام العالمي»، حسبما جرى تحديد مهمته الأساسية. وكما ينص على ذلك صراحة «ميثاق الأمم المتحدة».

ويركز المؤلف في تحليلاته على القول إن جميع البلدان التي وقّعت على ميثاق الأمم المتحدة، أي الأغلبية الساحقة من دول العالم، قد وقّعت بنفس الوقت «عقداً» يقول مضمونه: «لقد فوّضنا مجلس الأمن بمسؤولية المحافظة على السلام والأمن الدوليين». بل وأكثر من هذا: «نحن نقر ونعترف بأن مجلس الأمن يتحرّك باسمنا، وعندما يتخذ هذا المجلس قراراً فإنه يتخذه بالأحرى واقعياً باسم المجموعة الدولية».

هذا «التفويض» يشكّل بحد ذاته كما يرى المؤلف، حدثاً في غاية الأهمية، ويصفه أنه «إبداع دبلوماسي» من الصعب جداً في السياق الحالي التفاوض على مثله. ذلك على أساس أن مجلس الأمن الدولي كان نتاج وضع تاريخي فريد جداً.

تجدر الإشارة إلى أن الكتاب يتألف من سبعة فصول تتسلسل زمنياً بالتناظر مع المراحل الرئيسة التي عرفتها العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. هذا مع تكريس الفصل الأول كاملًا لتفحّص السياق الذي تأسس فيه مجلس الأمن الدولي، حيث إن تعبير «الأمم المتحدة» كان قد جرى استخدامه للمرة الأولى في زمن الحرب بمواجهة «قوى المحور».

كذلك يشرح المؤلف على مدى فصل كامل الأسباب التي دعت لاختيار الصين وفرنسا كعضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي. هذا رغم أنهما لم تشاركا مباشرة في هزيمة النازية الألمانية أو في هزيمة اليابان واستسلامها بعد قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالسلاح الذري. هذا فضلاً عن أن الصين وفرنسا كانتا قد تعرضتا لتضاؤل كبير في قوتهما الاقتصادية. ولكنهما كانتا تتمتعان بحضور سياسي عالمي واكتسبتا في الواقع وزناً سياسياً أكبر من خلال عضويتهما الدائمة لمجلس الأمن وتمتعها بحق النقض «الفيتو».

الكتاب : خمسة يسيّرون الجميع

تأليف: دافيد ل. بوسكو

الناشر: جامعة اكسفورد 2009

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

Five to rule them all

David L. Bosco

Oxford University Press 2009

320p.