في عام 1953 جاء في تصنيف الأمم المتحدة أن كوريا الجنوبية هي أحد أكثر بلدان العالم فقرا. وبعد خمسة عقود فقط من الزمن فقط غدت أحد أكثرها تقدّما. وأصبحت تستحق بجدارة لقب «كوريا الجديدة»، كما جاء في عنوان كتاب الباحثين «ميونغ اواك كيم» و«سام جاف» تحت هذا العنوان.

إن المؤلفين يشرحان كيف أن كوريا الجنوبية قد عرفت خلال عقود قليلة نموّا اقتصاديا استثنائيا وتحولات بنيوية جوهرية جعلت منها قوة صناعية يشار إليها بالبنان. واحتلّت المرتبة الخامسة عشر في قائمة أقوى البلدان اقتصاديا في العالم حسب معطيات البنك الدولي لعام 2008.

واليوم تنكبّ كوريا الجنوبية على اتخاذ قرارات «مصيرية» بخصوص الطريقة التي سوف تدير فيها مجتمعها وتحديد دورها كديمقراطية حديثة. هذا دون نسيان هدف أساسي وجوهري هو الوصول إلى إعادة توحيد «الأمة الكورية» المنقسمة اليوم بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية اللتين تعرفان حالة من العداء المستمر منذ عقود أيضا.

ويركز المؤلفان على القول أنهما يدرسان كوريا الجديدة من خلال «نظرة من الداخل على النمو الاقتصادي لكوريا الجنوبية»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. نقطة الانطلاق «الطبيعية» التي ينطلقان منها هي «الخراب الذي خلفته الحرب الكورية الشهيرة» في مطلع عقد الخمسينات الماضي وصولا إلى بناء اقتصاد يتم تصنيفه من قبل الجميع أنه أحد الأكثر نجاحا في العالم.

وبعد أن يستعرض المؤلفان العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية التي ساهمت في خلق المناخ لتحقيق نهوض اقتصادي حقيقي يؤكدان على وجود عدد من الأوراق الرابحة التي استفادت منها البلاد في تحقيق نهضتها. وفي مقدمة هذه الأوراق توفر يد الدعوة إلى العمل، وكذلك أيضا التمتع بروح جماعية.

لكن كان أيضا هناك دور أساسي للسلطات العامة التي عرفت كيف تقيم علاقات سليمة مع اليد العاملة المنتجة بحيث أنها استفادت من ثمرة قوة عملها. فالأجور اليوم في كوريا الجنوبية، تتقارب إلى حد كبير، كما تشير التحليلات، إلى ما هو قائم في البلدان الغربية المتقدمة.

وإذا كان النمو الاقتصادي الكبير هو العنوان العريض للنجاح في بناء شكوريا الجديدة»، فإن مؤلفي هذا الكتاب يؤكدان على أن «الثقافة الكورية» لعبت دورا أساسيا وجوهريا في دعم الآليات التي تطوّر فيها المجتمع الكوري.

هذا المجتمع، كما يتم تقديمه، يتشابه إلى حد كبير مع مجتمع آسيوي آخر قريب حقق نجاحا هو المجتمع الياباني، حيث أن المجتمعين يتسمان أنهما حديثان وتقليديان بالوقت نفسه. لكن هذه السمة «الثنائية» والتي تحمل في طيّاتها بذور التعارض قد تؤدي إلى «صدمة» حقيقية في المراحل القادمة، إنها «صدمة الحداثة»، كما يتم التعبير عنها.

ولعل الخط الناظم الأساسي في تحليلات هذا الكتاب يكمن في محاولة المؤلفين التركيزعلى جانبين أساسيين في المسار الكوري الماضي الذي أدّى إلى درجة تقدم كبير في الحاضر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، محاولة استقراء التحديات المستقبلية التي قد تواجهها كوريا.

ومن خلال عملية «الجدل» القائم والمستمر منذ الانطلاقة الكورية الجنوبية بين مسار التحوّل من بلاد في عداد البلدان الأكثر فقرا في العالم إلى أحد أكثرها نجاحا، يتم القول أن كوريا اليوم هي على مفترق طرق. هذا ليس على المستوى الاقتصادي فقط، إذ أن سياساتها الاقتصادية ستحدد موقعها في إطار العولمة السائدة الراهنة، ولكن أيضا، وأساسا، على الصعيد الاجتماعي والثقافي.

ولا يتردد المؤلفان في القول أن كوريا الجنوبية مدعوة اليوم إلى اتخاذ قرارات جوهرية وهامة على مختلف المستويات السياسية والإدارية من أجل الاستجابة لمتطلبات العولمة، وذلك كشرط لا بد منه من أجل متابعة مسيرة التقدم والازدهار الاقتصادي.

وتأتي أهمية القرارات «المنشودة» من واقع التداخل والتأثير المتبادل الكبير بين القيم والمفاهيم الثقافية وبين عالم العمل والعلاقات مع العالم في مجتمع مثل المجتمع الكوري.

ثم إن أحد الرهانات الأساسية بالنسبة للعقود القليلة القادمة يتم تحديده بقدرة كوريا الجنوبية على متابعة ازدهارها الاقتصادي بفضل تطور تقنياتها الصناعية الجديدة وبالوقت نفسه على منافسة بلدان صاعدة ذات كلفة عمل وأجور متدنية جدا مثل الصين والهند، وفي نفس نهج التساؤل حول المستقبل يتم طرح مدى قدرة كوريا الجنوبية على جذب استثمارات من البلدان الغربية وعقد صفقات معها؟

ولعل أهم ميزات هذا الكتاب تتمثل في تركيز تحليلاته الكبير على العامل الثقافي في المسار الاقتصادي الكوري. هذا مع إعطاء الأهمية لدور «الشتات الكوري» في العالم حيث أن تواجد هذا الشتات الكبير في كل من الصين واليابان، وبعدهما مباشرة في الولايات المتحدة الأميركية. ثم إن «التقاليد الكورية» لها مكانها المتميّز في مدن مثل لوس انجلوس ونيويورك.

وهذا «الشتات الكوري» في أميركا أثبت كفاءة عالية بنقله الخبرات «الوطنية» في تطوير العديد من الخدمات التي تحظى بالتقدير من قبل الآسيويين والأميركيين على حد سواء.

وفي المحصلة يتم التأكيد أن كوريا ذات المرتبة الخامسة عشرة بين اقتصادات العالم هي منافس جدي وقوي لكل من الصين والهند. ولكنه منافس يحمل أيضا «وزر تاريخه» وما سببه من انقسام الأمة الكورية إلى «كوريتين»، الأمر الذي لا يزال يثقل كثيرا على واقع البلاد ومستقبلها.

وكتاب يفتح نافذة عريضة على كوريا الجنوبية ويبيّن أسرار ديناميتها وأسرار نجاحها ونقاط قوتها ونقاط ضعفها وآفاق المستقبل المحتملة وتحدياته.

الكتاب: كوريا الجديدة

تأليف: كيم ميونغ اواك سام جاف

الناشر: اماكوم 2010

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

The new Korea

Kim Myung Oak, Sam Jaffe

Amacom 2010

Amacom 2010