بعد رحيل الشاعر محمود درويش قد يكون إلياس صنبر، الكاتب الفلسطيني، الذي ترجم العديد من أعمال صديقه للغة الفرنسية، هو أحد الأكثر قدرة والأكثر «أحقيّة» بتقديم «قاموس عاشق لفلسطين»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير الصادر في إطار سلسلة «قاموس عاشق ل...»..
ومثل جميع القواميس التي تتبنّى التسلسل الأبجدي يبدأ إلياس صنبر «قاموس عاشق لفلسطين» بالحديث عن «الغياب»، ذلك أن فلسطين «غائبة عن ديارها» و«غائبة عن ذاتها الحاضرة فيها». لقد جرى تغييب اسمها من القاموس الشائع ليحل محله اسم آخر. و«الاسم هو محور كل وجود»، كما يقول إلياس صنبر في مقابلة له حول الكتاب، ويشرحه في حديثه بـ «قاموسه العاشق» في باب «الغياب».
ويقدم المؤلف في هذا الباب تاريخا مختصرا وكثيفا لقارئه الغربي عن فلسطين التي عرفت أكثر من محتل في تاريخها الحديث، هذا قبل أن تحلّ النكبة عام 1948 حيث يتجاوز الأمر الاحتلال ليصبح «إحلال شعب مكان شعب آخر». إن إلياس صنبر يحكي عن الغياب بما يعنيه من «غربة وغريب ومغترب ومنفى ومنفي».
إن المؤلف وبأسلوب بعيد تماما عن «اللغة الجامدة»، ولكن بصرامة أكاديمية، يشرح في مختلف مداخل هذا القاموس الرهانات الحقيقية التي تعيشها فلسطين وحقائق ما يعيشه شعبه الفلسطيني. ومن الواضح أن إلياس صنبر غير متفائل فيما يتعلق بمسيرة السلام وبأن تؤدي المفاوضات، إذا جرت، إلى حل. وهذا ما يرى فيه مأساة للشعبين. إذ يكتب:
«إن المستوطنين توصلوا الآن إلى أن يجعلوا السلام شبه مستحيل، فأية معجزة سوف تنقذ الشعبين من المصير السيئ الذي ينتظرهما، ذلك أنه كما جاء في عنوان الكتاب الجميل لراشيل مزراحي: إذا مات أحدهما فالآخر سيموت أيضا».لكن رغم شحنة التشاؤم التي يزخر فيها هذا الكتاب فإن المؤلف يترك «فتحة صغيرة» للتفاؤل، تماما فيما يشبه نظرية «فيورباخ» الشهيرة حول جدل الواحد والصفر.
الصفر يلغي كل أمل أمّا الواحد الذي يمثله قول أن ما يفعله المستوطنون يجعل السلام «شبه المستحيل» يترك الباب مفتوحا أمام إمكانية قليلة لإيجاد حل. ذلك أنه «هناك دائما هامشا للمفاجآت التي قد يحدثها تسارع التاريخ».
ومسحة من «التفاؤل» أيضا في الظلمة التي يحدثها المنفى، ذلك أن إلياس صنبر يرى في هذا المنفى «على قسوته» نوعا من إمكانية الانفتاح على العالم.
هذا دون الإحساس بالقطيعة مع الأهل ودون التعلّق كثيرا بـ «دبق» الحنين. ويقول إلياس صنبر في تعليق له على مسألة الجذور: «لقد تعلمت مع مرور الزمن أن جذورنا هي أمامنا». وبهذا المعنى يمكن للمنافي الفلسطينية توطيد العلاقة مع فلسطين وليس «تقطيعها».
وفي المدخل المكرّس في هذا القاموس العاشق للهوية الفلسطينية يركز المؤلف على سمة «التعددية» التي تكون منها هذه الهوية. ففلسطين كانت مهد الديانات السماوية الثلاث.
وكل فلسطيني يجد نفسه وريث كل ما جرى فوق أرضها منذ القديم حتى اليوم. ولا يتردد إلياس صنبر في اعتبار أن التعايش الديني والتآخي بين أبناء مختلف العقائد بكل مشاربها سمة أساسية من الهوية الوطنية الفلسطينية وأنه ينبغي النضال من أجل المحافظة عليها بعيدا عن جميع أشكال التزمت مهما كان مصدرها.
ومن «المداخل» الجميلة في هذا القاموس ذلك الذي يكرّسه المؤلف لصديقه الراحل محمود درويش. وقد اختار إلياس صنبر لتصدير كتابه مقتطفا من ذكرى محادثة له مع الشاعر، جاء فيه:
ماذا سنفعل، أنت وأنا، عندما يتقدم العمر بنا؟
سوف نجلس تحت شجرة تين أمام بيت في فلسطين.
الناس يجيبون عادة على هذا السؤال بالحديث عن نشاط أو أمر ينشغلون فيه وأنت تحدد مكانا. قلت لك: «ماذا سنفعل»؟ وأنت فهمت «أين سنكون»؟
معك حق، لكن أستطيع أن أقول لك أيضا أننا سنحدد كقاعدة عدم تبادل الحديث سوى في الأمور العادية. سوف نتحدث عن الطقس وعن الغيوم العابرة».
ومن الأفكار التي تتردد في هذا الكتاب التأكيد على أن حياة الفلسطينيين لم يعد فيها أي شيء كما كان لقد عقدت إيقاعها اليومي «الطبيعي» بعد قيام إسرائيل. وهذا يصحّ على الذين بقوا منهم في أرضهم وعلى الذين تشتتوا في المخيمات والمنافي. الجميع يطرحون على أنفسهم السؤال نفسه: أين نحن؟
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى المدخل المكرّس للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يأتي في الصفحات الأخيرة من الكتاب، وتحت عنوان «الختيار» حيث تبدأ الكلمة بحرف الـ «v» الذي يأتي ترتيبه بين الأحرف الأخيرة من الأبجدية الفرنسية.
ويكرّس المؤلف مدخلا للكاتب الفرنسي جان جينيه صاحب العمل الشهير «الأسير العاشق». ويذكر إلياس صنبر أنه كان قد طلب، بحكم الصداقة، من جان جينيه أن يقرأ نصا كان قد كتبه عن طرد الفلسطينيين عام 1948.
وكان مما قاله له الكاتب الفرنسي». إن عملك كفلسطينيين هو الثورة وليس الأدب». وينقل عند قوله له، من بين ما قاله: «الفلسطينيون هم الوحيدون الذين استقبلوني دون شروط».والصفحات الأخيرة من هذا الكتاب ـ القاموس مكرّسة لفيلسوف وكاتب فرنسي شهير هو جيل ديللوز.
وكتاب ـ قاموس عن فلسطين القريبة من القلب وكما يعيشها صاحبه في كل لحظة إلى درجة أنه أصبح «أسيرها العاشق».
الكتاب: قاموس عاشق لفلسطين
تأليف: إلياس صنبر
الناشر: بلون باريس 2010
الصفحات: 381 صفحة
القطع: المتوسط
Dictionnaire amoureux de la Palestine
Elias Sanbar
Plon - Paris 2010
381p.

