«ماذا يمكنه عمله بالمساعدة الدولية المكرّسة للتنمية؟»، هذا هو العنوان الفرعي للكتاب اثنين من «الكوادر» السابقين في البنك الدولي هما سيرج ميكايلوف واليكسيس بونيل، تحت عنوان «بيتنا يحترق في الجنوب». والجنوب بالمعنى المقصود هو تلك المناطق التي أصبحت اليوم بمثابة «مراجل متفجرة» بسبب ما تعانيه من أشكال البؤس وغياب التنمية، مقابل الشمال الذي يمثل حسب التعريف التقليدي الشائع البلدان الغنية.
إن مؤلفي هذا الكتاب يقدمان توصيفا لهذه الحقيقة مدعومة بالأرقام والإحصائيات. ولكن اهتمامها الرئيسي يذهب نحو شرح الصدمات القادمة التي سوف تكون بلدان الجنوب هي مسرحها، في مرحلة أولى خلال العقود القليلة القادمة، ولكنها مرشحة للوصول بعد ذلك إلى البلدان الغنية. هذا ما يشرحه المؤلف مؤكدا أن «التحديات العالمية الجديدة هي في الجنوب» كما جاء في عنوان الفصل الأول من الكتاب.
ويعود المؤلفان في الفصل الثاني لتقديم نبذة تاريخية عن الأسباب التي جعلت من الجنوب مسرحا «مختارا» للتحديات الدولية. والإشارة أولا إلى أن العالم يعاني من «قلق» حقيقي حيال مسائل البيئة وسخونة المناخ. الأمر الذي تتم إعادته إلى الزيادة السكانية الهائلة التي عرفتها البشرية إذ تعاظم عدد سكانها بحوالي 4 مليار نسمة منذ سنة 1950 حتى الآن.
وتدل التوقعات الحالية إلى أن هذا العدد سوف يزيد بحوالي 2،5 مليار نسمة من الآن وحتى أفق عام 2050. تتم الإشارة إلى نسبة 95 بالمائة من هذه الزيادة هي في بلدان من الجنوب بينما تبدو على بلدان الشمال الغنية أعراض الشيخوخة أكثر فأكثر.
وتدل المؤشرات الحالية أن النمو الكبير والمتسارع للبلدان الصاعدة وخاصة الصين والهند والبرازيل والمكسيك واندونيسيا سوف يزيد كثيرا من الطلب على المواد الأساسية، وفي مقدمتها مواد الطاقة، والتي مهددة بالنضوب، على عكس الفكرة السائدة بأنها «لا تنضب».
هذا الاستنزاف السريع للمواد الأساسية يجعل من الضروري والملح القيام بعملية ضبط وتنظيم لاستهلاك الموارد الطبيعية، خاصة أن بعض البلدان الأكثر فقرا في الجنوب هي التي سوف تعاني أكثر من غيرها وإذا لم تتوصل إلى اكتشاف السبيل نحو ولوج طريق التنمية وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية الضرورية لمواطنيها فإنها قد تكون مهددة بالانفجار. والمثالان اللذان يتم تقديمهما في هذا الإطار هما الصومال وأفغانستان.
ويتم تكريس فصلين في هذا الكتاب للمسائل المتعلقة بالمساعدات المكرّسة للتنمية في بلدان الجنوب. أحدهما بعنوان «النقاشات الدولية الكبرى حول المساعدة خلال سنوات التسعينات» والآخر حول «المساعدة العامة للتنمية في مواجهة أزمات البيئة».
ويؤكد المؤلفان في هذا الإطار أنه لم يتم التوقف أبدا عن التشكيك بمفهوم المساعدة السائد وبطرق ممارستها في أرض الواقع منذ عدة عقود، وخاصة فيما يتعلق بمسألة «فعاليتها» ومساهمتها الحقيقية في نهوض البلدان الموجّهة لها.
وكانت «المساعدة العامة المكرّسة للتنمية» قد أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكانت تهدف في بداياتها ل«كبح» الشيوعية ثم لتسهيل عملية الخلاص من الاستعمار. ولقد كانت «فاعلة» بخصوص هذين المشربين. ثم طوّرت أهدافها باتجاه «ردم الهوّة» بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، أو على الأقل «تقليص درجة فقرها.
الفعالية هنا، كما تقول التحليلات المقدّمة، كانت مرهونة بالطريقة التي استخدمت فيها البلدان المعنية المساعدة المقدّمة لها.والرهان الحقيقي يحدده المؤلفان بتحقيق فعالية المساعدة في البلدان ذات الحاجة لها، وحتى تلك التي هي بصدد «التفجٍّر» إلى هذه الدرجة أو تلك.
ودون نسيان أن «المساعدة من أجل التنمية» تشكل الوسيلة الوحيدة تقريبا اليوم من أجل نزع «صاعق» التحديات الكبرى التي تهدد بالانفجار في الجنوب ؟.
والتحديان الرئيسيان يتم تحديدهما بأشكال الفوضى البيئية العالمية التي تتسارع بسبب النمو الاقتصادي والسكاني للبلدان الصاعدة خاصة. والتحدي الثاني يخص أشكال الفوضى البيئية العالمية الاجتماعية والسياسية والأمنية التي قد تؤدي إلى تفجّر «البلدان التي تعاني من الإفلاس» وكذلك من مصلحة الجميع، دون استثناء، البحث عن حوار جدي لكيفية استثمار المساعدات المكرسة للتنمية من أجل المساهمة في تجنّب التفجّيرات التي لن توفّر أحد من «نيرانها».
ويحاول المؤلفان المساهمة في هذا الحوار «المنشود» عبر تقديم محصلة لما حققته المساعدة العامة للتنمية من نجاحات وما عرفته من إخفاقات وتراجعات وأخطاء منذ تأسيسها في سياق الحرب الباردة وفترة نهاية الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم. ويصلان إلى نتيجة مفادها أن هذه المساعدة يمكنها أن تكون «مصيرية» باتجاه تجنّب التفجرات القادمة. ولكن «مصيرية» أيضا في حالة توقفها، وإنما باتجاه جعل أفق «الانفجار» واضحا خلال العقود القريبة القادمة.
ولا يقتصر المؤلفان على التشخيص والتوصيف ولكنهما يحاولان تقديم بعض الاقتراحات في أفق المستقبل. وفي مقدمتها تدعيم الدول الهشّة .
الكتاب: بيتنا يحترق في الجنوب
تأليف: سيرج ميكايلوف، اليكسيس بونيل
الناشر: فايار باريس 2010
الصفحات: 366 صفحة
القطع: المتوسط
Notre maison brûle au sud
Serge Michaïlof، Alexis Bonnel
Fayard - Paris 2010
366p.

