يؤكد الناقد والكاتب والمخرج المسرحي الجزائري عبد الناصر خلاَّف، في هذا الكتاب، على أنه كان التمثيل يجيء في احتفالات طقسية، والتي من مكوناتها:الترانيم، الغناء الجماعي، العزف على الآلات الموسيقية والإيقاعية، تشكيل خطوات المشي والرقص، الأقنعة، الأزياء المفضلة، المؤثرات الخاصة كاستخدام الناس والشموع والخور.
وكان الطقس يمتزج بالأداء في المجتمعات القبلية. وهناك عدة أشكال طقسية من التمثيل عند بعض القبائل التي تنطلق أساساً من فكرة جوهرية، وهي أنَّ (التمثيل) يخلق الوهم، وانطلاقاً من خلق هذا الوهم يمكن السيطرة على الوقائع والقضاء على الخوف.
ففي تاريخ الشعوب، كما يرى الناقد خلاَّف، توجد الكثير من الأساطير التي يعتبرها بعض الأنثروبولوجيين، مثل «شتراوس»، أصل ومنشأ فنون التمثيل لأنها تتوفر على عنصر مهم، يعتبر من الخصائص الأساسية للدراما هو عنصر الصراع.
ويعتبر (ثيسبيس) أول ممثل أدخل التشخيص الدرامي بدل السرد الغنائي، وكان هذا في النصف الأول من القرن السادس ق. م، أثناء الاحتفالات الخاصة بتجميد الإله «دينونيسوس».
وفي البدء كان هناك ممثلٌ واحد تساعده الجوقة بالحوار، ويقوم بتأدية عدة أدوار باستخدام الأقنعة القماشية، وكان الجمهور اليوناني يتعرف عليها من خلال شكل ولون خطوط القناع.
وحسب(أرسطو) فإن الممثل الثاني أدخله «إسخيلوس»، هذا الشاعر الذي يعتبر الأب الشرعي للدراما، والذي ترك الكثير من النصوص الدرامية التي أعدت خصيصاً للتمثيل ـ لقد كان إسخيلوس أول من رفع عدد الممثلين من واحد إلى اثنين، كما أدخل مجموعة أخرى من مساقات التطوير كالتقليل من أهمية الجوقة عن طريق اختزال أناشيدها، وجعل الأهمية الأولى في المسرحية هي للحوار.
وأما (سوفوكليس) فقد رفع عدد الممثلين إلى ثلاثة وأدخل المناظر المرسومة، وضاعف عدد أفراد الجوقة من 12 إلى 15، وغير ذلك الكثير.
وكان سوفوكليس يستخدم الممثل الثالث في المحاورات التي يتواجد فيها ثلاثة شخوص على المسرح.
وعموما كان الممثلون في العهد الإغريقي ينقسمون إلى: 1 ـ البطل، 2 ـ الشخصية الثانية، 3 ـ الشخصية الثالثة. وقد كانت حرفة التمثيل معترفاً بها في عصر إسخيلوس إلى درجة أصبح فيها الممثل أهم من كاتب الدراما، وتمتع أفرادها بامتيازات كبيرة من طرف الدولة.
أما الرومان الذين انتصروا عسكرياً على اليونانيين، بينما انهزموا أمامهم ثقافياً، فإن معظم الممثلين عندهم كانوا(عبيداً) ولا يملكون أي حقوق ويصنفون مع اللصوص، وكانوا يستعملون تقنيات التمثيل اليوناني نفسها. ويعتبر الرومان أول من ابتعد عن النموذج اليوناني في الكوميديا، وأنشؤوا مسرح «الميم» و«البانتوميم» الذي تنحدر منه كوميديا «دي لارتي».
وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية وهيمنة الكنيسة، قام رجال الدين ببيع صكوك الغفران والقضاء على النشاطات المسرحية»الوثنية»، وكل ما يتعلق بالتشخيص الدرامي من كوميديا وتراجيديا.
لكن هذا لم يمنع من ولادة دراما طقسية داخل الكنيسة من الترانيم التجاوبية ـ التناوبية، حيث بدأت بصورة تمثيلية صغيرة مأخوذة من إنجيل القديس مرقس. ثم جاء عصر النهضة الإيطالية، فانتقلت من مسرح القرون الوسطى إلى المسرح الحديث بالتخلي نهائياً عن الدراما الدينية، واستفادت من الموروث الإغريقي الروماني، وقد ساهم اكتشاف فن الطباعة في ظهور عدة أعمال مسرحية مكتوبة، نشرت ابتداء من سنة 1465م.
وبرزت الدراما الاسبانية حيث أقيمت داران للتمثيل على نظام الأغنية، بتأثير فرقة إيطالية قدمت إلى إسبانيا، وقدمت عروضها في مدريد سنة 1574، فكان يتم إعداد الممثل إعداداً جيداً من طرف مدير الفرقة لإلقاء أبيات الشعر، وكان الفضل الكبير للكاتب المسرحي «لوب دي فيجا» في إعطاء المسرح الإسباني خصائص متميزة.
أما في انجلترا وبعد اعتلاء الملكة إليزابيث العرش سنة 1558، فقد أمرت خلال موسم 1567 ـ 1568. بتمثيل ثماني مسرحيات لتسليتها، وكانت هذه الملكة راعية الفنون ومسكونة بحب المسرح، خاصة المسارح الموكبية، مسارح الأقنعة الضخمة والاستعراضية، وتحول معها الممثل من الفرق الهاوية إلى فرقة محترفة تحظى باهتمام سلطات المدينة والبلاط.
وفي فرنسا فقد تبنَّت الأكاديمية الفرنسية مبادئ النيو ـ كلاسيكية، من خلال محاكاة الأعمال الإغريقية المسرحية والالتزام التام بقواعد «أرسطو». وهذا خلال حكم الملك «لويس الرابع عشر»، الذي قام أيضاً برعاية كل من «موليير» و«راسين».
لكن ومع بداية القرن الثامن عشر ومع أفول تيار الكلاسيكية الجديدة، ظهرت الرومانتيكية التي أرست قواعد الدراما البرجوازية والميلودراما، وتحول على إثرها فن الممثل من الطريقة التقديمية إلى تقنية التشخيص.
إلى أن جاء قسطنطين ستانسلافسكي 1862 ـ 1931، الذي سعى إلى البحث عن مسرح جديد يعارض النظام التقني ـ المدرسة التشخيصية، ويُعتبر أول من أسس لعمل الممثل ووضع له نهجاً من خلال كتبه: «إعداد الممثل»، «حياتي في الفن» وغيرها، وأهم اكتشاف له هو نظرية (لو) السحرية.
ولقد أطلق ستانسلافسكي على الاتجاهين المتصارعين في خصوص رؤى مفهوم وتعريف وكينونة الممثل وفنه، اسمين :1 ـ فن المعاناة. 2 ـ فن الاستعراض، فبقدر ما يعيش الممثل مشاعر دوره على الخشبة بقوة واندفاع وعمق، تؤثر هذه المشاعر في المتفرج وتغذيه وتسعده، وتقدم بالتالي متعة كبيرة للممثل بالذات. وهكذا فإنه يستطيع أن يعاني نوعين من المشاعر في آن واحد.
الكتاب: فن الممثل من أرسطو إلى ستانسلافسكي
تأليف: عبد الناصر خلاَّف
الناشر: دار السهل الجزائر 2009
الصفحات: 160صفحة
القطع: المتوسط
أنور محمد
