حقق الفنان نجيب الريحاني ما لم يحققه أي كوميدي عربي حتى اللحظة الراهنة، وذلك على الرغم من أن أعماله المسرحية توجته بألقاب عديدة، منها: «موليير الشرق»، «الفيلسوف الضاحك»، «الزعيم». ولكن لم يبق من الأفلام الـ 35 التي قدمها سوى سبعة، تمثل بحد ذاتها أروع ما قدمته السينما العربية.

في العام 1906، كان المخرج والممثل الكوميدي عزيز عيد يعمل في البنك الزراعي الذي التحق الريحاني للعمل به توا، وكان عزيز يعمل في المساء بعد نهاية دوامه بالبنك، في فرقة إسكندر فرج الغنائية، والتي توقفت نتيجة وفاة بطلتها ماري صوفان.

وفي عام 1907 كون الثنائي، أمين صدقي «كان ممثلاً ومؤلفاً وممولاً»، وعزيز عيد، كونا فرقة تعمل على مسرح إسكندر فرج، لتملأ الفراغ الذي نشأ عن اختفائها، واستعان عزيز بزميله في العمل نجيب الريحاني، في الخدمات المعاونة للفرقة، وهو ما أتاح له الاشتراك في المسرحيات كممثل صامت «كومبارس»، وكانت المسرحية الأولى التي قام فيها بدور ناطق: «الملك يلهو» في عام 1908.

ظل الريحاني يخوض في هذا المجال بنطاق ماهية أفقه المحدد جدا، إلى أن التقى المسرحي السوري الرائد أمين عطا الله، الذي عرض عليه السفر معه للإسكندرية للعمل في فرقة شقيقه سليم عطا الله، براتب أربعة جنيهات كاملة، وكانت الفرقة تستعد لتقديم مسرحية «شارلمان الأول»، فأخذ الريحاني دور شارلمان، وهو الدور الثاني، ونجح كثيرا، وكان يحاول التجديد والتجويد كل ليلة.

ودعا عطا الله مجموعة من الأدباء والفنانين لمشاهدة العرض، وتفوق الريحاني على عطا الله، فحظي بثناء كل الأدباء والفنانين، وتوقع الريحاني أن عطا الله سوف يكافئه، ولكن كانت المكافأة أنه استغنى عنه.

وهكذا عاد الريحاني إلى القاهرة عاطلاً عن العمل، وليجلس على الدوام في ظل هذه الحال، بمقهى الفن، ونجح خاله في توظيفه بشركة السكر في نجع حمادي، فسافر على الفور وتفوق في عمله، ولكنه ارتبط بعلاقة عاطفية مع الزوجة الشابة ل«الباشكاتب» العجوز وانفضح الأمر، فتم طرده من الشركة وعاد إلى القاهرة.

وهنا طردته أمه بدورها من البيت، فضاقت به الدنيا وانعدم الأفق، إلى أن التقى الكاتب المعروف محمود صادق سيف، الذي أخبره أن صاحب مكتبة المعارف كلفه بترجمة رواية بوليسية فرنسية، اسمها « نقولا كارتر»، وذلك مقابل 120 قرشاً عن كل جزء، وشاركه الريحاني في الترجمة، ورغم أن الحالة أصبحت ميسرة، إلا أن حنينه إلى المسرح كان يسيطر على حياته بالكامل.

تخبط فانطلاقة

وفي هذه الأثناء عرض عليه مصطفى سامي أن يترجم بعض روايات «الفودفيل» الفرنسية، لفرقة شقيقه الشيخ أحمد الشامي، وعمل الريحاني ممثلاً ومترجماً، مقابل أربعة جنيهات في الشهر، وكانت هذه الفرقة جوالة تلف المدن وتطلب من أعضائها أن يحملوا معهم المراتب واللحف، وبعد انتهاء جولة الصعيد ذهبت الفرقة إلى الوجه البحري، وفى طنطا فوجئ الريحاني بوالدته أمامه ذات صباح، ومعها خطاب بعودته إلى شركة السكر في نجع حمادي، فعاد إلى الشركة وزاد مرتبه إلى 14 جنيها.

لم تزل هذه الفترة الجديدة ركائز استمرار تفكيره طوال الوقت في المسرح، وفي عام 1912 أرسل إليه عزيز عيد، رسالة يؤكد فيها بأن فن التمثيل قد ارتفع شأنه، وأن جورج أبيض قد عاد من أوروبا وينوي تأليف فرقة مسرحية، وفجأة استغنت عنه شركة السكر وأعطته 70 جنيهاً مكافأة، فعاد إلى القاهرة عام 1914، وذهب لمشاهدة عمل «أوديب» الملك لجورج أبيض، وقد اتفق سلامة حجازي مع جورج أبيض على تكوين فرقة مسرحية، فعرضا على الريحاني الانضمام إليها، فوافق، وقد ضمت تلك الفرقة:

روزاليوسف، سرينا إبراهيم، نظلي مزراحي، عبدالعزيز خليل، عبدالمجيد شكري، محمود رحمي، فؤاد سليم. باشرت الفرقة في أعمالها فقدمت مسرحياً رواية «صلاح الدين الأيوبي»، وقام جورج أبيض بدور ريتشارد قلب الأسد، أما الريحاني فكان مجرد كومبارس متكلم في شخصية ملك النمسا.

«كشكش بك»

جاءت انطلاقة الريحاني الفعلية في صيف عام 1916، وذلك عندما فكر في تقديم عمل من إبداعه، تأليفا وتمثيلا وإخراجا، ويكون بطله شخصية واقعية «كشكش بك»، فحقق نجاحا منقطع النظير، لتصبح المسرحية بعد ذلك، ظاهرة فنية، وهي تمثل شخصية العمدة الذي يجري المال في يديه بعد جني القطن، فيتجه إلى مصر المحروسة «القاهرة» ليستمتع بمباهجها، ولم يكتف عديد من هؤلاء بما كانوا يعاينونه في ملاهي روض الفرج، بل إن بعضهم طرق باب الزواج من «السنيورات المصراويات».

ولم يكن زواجاً متكافئاً في العادة، الأمر الذي قاد أغلبهم إلى قاعات المحاكم الشرعية، والدخول في سجلاتها. ومن ثم تتالت عروضه: «تعالي لي يا بطة» التي قدمها في كازينو «آبيه دي روز» في أول يوليو 1916، وتلتها «بستة ريال»، «بكرا في المشمش»، «خليك تقيل»، «هز يا وز»، «إديلو جامد»، «بلاش أونطة»، «كشكش بك في باريس»، «أحلام كشكش بك».

وفي عام 1917م قدم الريحاني فن الاستعراض المسرحي عبر عدة مسرحيات استعراضية، منها: «أم أحمد»، «أم بكير»، «حماتك بـ تحبك»، «حمار وحلاوة»، وفي عام 1920. كمت اتجه إلى فن الأوبريت، فقدم أوبريت «العشرة الطيبة» التي أعدها محمد تيمور ولحن أغانيها سيد درويش، ومن ثمّ كتب بالاشتراك مع بديع خيري «أوبريتات»، مثل: «الليالي الملاح»، «البرنسيس»، «الشاطر حسن»، «أيام العز»، «الفلوس»، «مجلس الإنس»، «لو كنت ملك».

في السينما

بدأ الريحاني رحلته السينمائية بفيلم «صاحب السعادة كشكش بيه»، حيث مثل شخصية من يرى الخطأ فيحاول تقويمه، علماً بأنه لا يملك ما يساعده على ذلك، فينتهي متحملاً أذى الآخرين وسوء فهمهم له.

وقدم بعد هذا الفيلم عدة أفلام، منها: «سلامة في خير» و«سي عمر» و«لعبة الست» و«أحمر شفايف» و«أبو حلموس» و«ياقوت أفندي» الذي عثر عليه مؤخرا في الأرشيف الفرنسي، ثم كان الختام مع فيلم «غزل البنات»، إذ مثلت أمامه، وللمرة الأولى، الفنانة ليلى مراد، وذلك بعد أن أصر على أن يقاسمها بطولة فيلم ما، قبل أن يموت.

كيف كان يرى فلسفته الفنية؟

شرح الريحاني بنفسه فلسفته الفنية، من خلال أسلوب ساخر، برز في حوار له مع الممثل والمخرج المسرحي زكي طليمات عميد المسرح المصري، ونشره طليمات في إحدى مقالاته، وهو كان من أشد المهاجمين للريحاني وفنه، وعندما قابله الريحاني للمرة الأولى، سأله: «إيه الحكاية يا أخي، هو أنا اتجوزت الست والدتك؟ أنا قلت إنك ممثل كحيان بيغير ريقه على طبق ملوخية».

فرد طليمات: «يا ريت»، فقال الريحاني: «أمال نازل فينا طحن ليه؟»، وأجاب طليمات: « مزاج!». فقال الريحاني: «مزاج إيه العكر ده.. حضرتك فتوة؟»، فهاجمه طليمات: «أنت بتشتغل في التمثيل عشان الفلوس؟»، فأجاب الريحاني: «أمال عايزني أشتغل في التمثيل وألحس صوابعي!.. طيب ما تعملوا زيي»، فرد طليمات:

«ما نقدرش نعمل التهجيص بتاعك، أنت بتضحك من الناس وعلى الناس». فقال الريحاني: «انتم لسه بتقدموا نابليون ولويس وبلاد تاكل القطط وتركب الأفيال، أنا بقدم دقدق وسيد وحلويات وشلبية الجمهور يريد أن يكون غذاؤه الذي يتناوله في المسرح مثل غذائه الذي يملأ بطنه، الإصلاح والارتقاء لا يأتيان دفعة واحدة وبمجرد الطلب، أنا أحاول أن أدخل اللحم الدسم في سائر ألوان الطعام الذي يتقبله الذهن المصري، لكن بمقدار من غير أن ينحرف عن توليفة المطبخ المصري، الأسلوب البياني العربي الذي يتسم بالحذلقة، والتكلف، عايزين الجمهور يحبه، وزعوا عليهم قواميس، وكلام في سرك خلوا الممثلين بتوعكوا ما يبالغوش في مط الكلام والتجعير».

محمد الحمامصي