اختار الفنان الإماراتي جلال لقمان الفن الرقمي وسيلة لإنتاج اللوحة، وهو ما ميزه عن غيره من فناني الإمارات، إذ كان أول المشتغلين في هذا المجال، وبدأت تجربته منذ عشرين سنة، ليصل بعدها للتمرس في الجمع بين الفن الرقمي والمعدني، بما فيه من لامحدودية منحته القدرة على عمل لوحات تبدو ثلاثية الأبعاد تطرح الكثير من القضايا والأفكار، حاملة بعض الرسائل التحذيرية، مثل قضية الإدمان أو قضايا إنسانية أخرى لها علاقة بالمشاعر العميقة التي تراود الإنسان على مدار يومه.
وقد حكت معارضه عن تجربة خاصة، وذلك تحت عناوين تقصد لقمان من خلالها، أن يجذب المتلقي للتفكير بأبعادها وربطها بما يقدمه من أعمال فنية ربما ينسجم البعض معها وقد يبتعد آخرون عنها، وهذا لأسباب كثيرة ومتنوعة، يفسرها لقمان وفق مفهوم ورؤية متمايزين.
كيف كانت ردود أفعال الجمهور حول معرضك الأخير: «عكس التيار»؟
تعودت من الناس أن يفهموا لغتي بطريقة مغايرة، مستندين في بعض الأحيان إلى العنوان فقط، من غير أن ينظروا إلى البعد الفكري في أعمالي، وهو ما جعلهم يعتقدون أنها أعمال تحمل الكثير من العدوانية والاضطرابات والظلام، ولهذا كثيرا ما أحاول أن أشرح وأفسر أفكاري للناس، من أجل أن لا يحكموا بطريقتهم الخاصة، وللأسف فإن بعض الصحافيين فهموا المعرض بشكل خاطئ، مستندين إلى العنوان ومتجاهلين سبع سنوات من العمل لإنجاز المعرض.
ما الذي احتواه معرضك «عكس التيار»؟
هذا المعرض كان حصيلة أعمالي ما بين عامي 2004 و2010، وهو ما جعله يجمع أنماطا مختلفة جدا، حيث عبرت عن فترات زمنية متنوعة مررت فيها، إلى جانب أعمال من معارض سابقة، مثل «بعد الصمت»، وغيره من مراحل سبقت العام 2004. وتشترك الأعمال في حيثية أنها كانت مساحة استطعت أن أترجم عبرها العديد من الحالات النفسية، ومواضع الحب والسعادة، والحزن والتعب والخوف، والمعاناة، فاللوحات تجمع وتعكس في زواياها المختلفة شخصيتي.
كنت أول فنان إماراتي ينتج لوحاته بواسطة التقنيات الحديثة، معتمدا على العديد من برامج الكمبيوتر، ما جعلك تواجه صعوبة تلقي المشاهد لأعمالك في البداية. كيف استطعت أن تطور علاقتك مع المشاهد؟
لا شك أن أي تقنية جديدة في العالم، أو أي علم جديد يطرأ على الساحة الفنية أو الطبية، أو غيرها، لا بد أن يواجه نوعا من ردة الفعل الإيجابية أو السلبية، فكيف الحال ونحن نتكلم عن مسألة تتعلق بأساليب تقليدية، فالفن كان مرتبطا بأساليب تقليدية، وعندما بدأت بالعمل، ونفذته بتقنيات حديثة، معتمدا على التطور العملي، كان من الطبيعي أن أواجه عدم تقبل المتلقي، أو الخوف من هذا العمل الذي نفذته بواسطة الكمبيوتر، ولكن عندما نستعرض تطور الفن، سنجد أنه قبل سنوات كثيرة لم يكن يوجد تقبل للوحة المنفذة بواسطة الألوان المائية، ومن قبل لألوان الإكرليك، أي أن كل لوحة لم تنفذ بواسطة الألوان الزيتية كان من الصعب تقبلها، لكن بعد فترة تم استخدام ألوان وطرق مختلفة لصنع العمل الفني.
لكن الانتقاد ما زال مطروحا؟
قبل أن ينتقد الشخص يجب أن يسأل نفسه إذا كان لديه العلم والدراية الكافيان، والكفاءة المطلوبة من أجل أن ينتقد عملا ما، ومن أجل أن يوافق الآخرين على رأيه أو لا يوافقون. إن عالم الفن غريب جدا، فمن السهل على أي أحد أن ينتقد، لكن السؤال المطروح من قبلي هو: ماذا تعرفون في هذا المجال. هل تعرف الناس حقا أن نوعية فنون يرفضونها هي موجودة في المتاحف؟ وهل يعرفون أنه لولا التقدم في فن الكمبيوتر لكان من الصعب جدا أن يشاهدوا الكثير من المشاهد السينمائية؟
كم برنامجا تستخدم خلال عملك في اللوحة، وهل تعمل بشكل يومي؟
أستخدم بشكل نسبي قرابة التسعة برامج، وفي مرات أخرى أعتمد على أكثر من هذا العدد من البرامج، أو أقل منه. وإن لم أعمل يوميا حوالي أربع ساعات، أعتبر أن اليوم قد ضاع مني، كوني أعتقد، كما قال الفنان الإسباني بيكاسو: «كلنا نولد فنانين.وأنا أعيش الحالة يوميا، ومن جزئياتها هذه الساعات التي أجلس فيها لأتدرب على تعلم الرسم بالكمبيوتر.
من أي نقطة تبدأ العمل على اللوحة؟
تبدأ تشكيلات وخطوط اللوحة لدي منذ لحظة شعوري بشيء ما، أجده قريبا ومتطابقا مع ماهية إحساسي، أو أن أرى شيئا أشعر به فهو يتحول لاحقا إلى خامة في مخي، ومن ثم أتبنى الفكرة، وألخص اللوحة في مخيلتي. وفي المجال العملي أرى الأساليب الموجودة في الكمبيوتر، وذلك من أجل أن أنتج لوحة بالأسلوب الذي هو أقرب إلى خيالي، وأرى في ما بعد إن كنت أحتاج إلى أكريليك على «كانفس» أبرزها، أو قد ألحمها بالحديد.
ما المدة الزمنية التي تستغرقها في العمل على اللوحة؟
لدي لوحات تنتهي بيوم وأخرى تتطلب مني سنة، كل لوحة ولها طابعها المختلف، وتوجد بعض الأعمال التي تحمل في داخلها رسالة ما، ومن أجل أن أوصل الرسالة يجب أن أعمل على التفاصيل بدقة شديدة، مثل التجاعيد التي قد تكون في الوجه، أو القطة النائمة التي ترمز إلى مغزى ما، وهو ما يمكن أن يحاكي المتذوق الذي بات يتعامل مع اللوحة بذكاء أكثر من السابق، خاصة وأننا نستعد لجعل أبوظبي عاصمة للثقافة العربية.
هل تبحث عن إرضاء الناس أم أن هاجسك هو الرضا الشخصي عن طبيعة وتكوين منتجك الإبداعي؟
الفنان ينتج اللوحة التي ترضيه، وأنا أرضى عن اللوحة التي تستطيع أن تخوض حوارا مع المشاهد، وذلك لتجذب أعمالي أي متجول في المعرض، بحيث تناديه اللوحة من أجل أن يحاورها، وتستطيع بالتالي أن تنسيه نفسه.
تحضر الآن لرسالة ماجستير، ما الذي تهدف إليه من خلال دراستك هذه؟
أريد أن أدمج الخبرة الميدانية بالخبرة الدراسية، بهدف أن أترك بصمتي على الساحة الإماراتية حاليا أو في المستقبل، ورأيت أنني أستطيع مواكبة هذا التطور من خلال دراستي للماجستير، وأطروحتي ستدور حول إدارة المعارض والمتاحف، لدمج وصقل الخبرة الميدانية بالخبرة أكاديمية، وبالتالي أستطيع أن أجمع التفاصيل التي تنقصني من الناحية الدراسية، ومن أجل العمل على تطوير ما لدي من خبرة، فالإنسان لم يعد في قرية معزولة، لأجل هذا فكرت في تحويل الخبرة التي امتلكها في خدمة وطني.
ما رأيك في ما وصل إليه الفن من مستوى تطور على الساحة المحلية؟
أنا معجب جدا بأعمال مجموعة من الفنانين المبرزين، مثل نجاة مكي وعبد القادر الريس ومحمد مندي وعبد الرحيم سالم ومطر بن لاحج. وقد وجدت معهم إلى جانب الزمالة بالفن، الصداقة الحقيقية، إذ سافرنا مع بعض للمشاركة في عدة معارض خارج الدولة، وتعاملنا هناك بروح الأخوة، خاصة بعد أن ألغيت تلك المسافات والحواجز والاعتبارات الواهية التي كانت بين الفنانين، فجميعنا تقاربنا وانصهرنا في بوتقة ومحور الإبداع الفني الإماراتي المتميز.
ما هي مشاريعك المستقبلية؟
أنوي بعد مشاركتي في مهرجان أصيلة، التفرغ لمشاركاتي المزمعة في الصين واسطنبول وبلجيكا. كما أحضر لمعرض سيقام في إبريل من العام القادم، في غاليري «آرت سوا» في دبي.
عبير يونس


