الموسيقى اللاتينية ربما كانت المظهر الثقافي الأكثر شهرة، والذي كان له الأثر الأكبر في ثقافات أخرى على المستوى العالمي، وما يثير الفضول أنها تمثل حلبة التوافق الثقافي الأكثر قوة على الساحة الفنية العالمية.

لا شك أن الولايات المتحدة الأميركية شكلت دائما وجهة وجسرا لعبور الموسيقى اللاتينية عموماً، والموسيقى الكوبية خصوصا، إلى بقية أرجاء المعمورة، لكن العلاقات السياسية المتأزمة منذ نصف قرن ونيف، بين هافانا وواشنطن، إثر انتصار الثورة الكوبية ووصول فيديل كاسترو إلى سدة الحكم، خيمت بظلال قاتمة على مختلف أوجه التبادل بين البلدين، بما في ذلك الثقافة والموسيقى.

بيد أنه ثمة أشياء تحسنت بين الولايات المتحدة وكوبا منذ أن وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض، أو على الأقل في ما يتعلق بتبادل الفعاليات الثقافية والموسيقية.

حيث يبدو أن هذا الميدان بدأ يشهد مستوى معينا من التطبيع، لا سيما بعد أن أنهى الفنان سيلفيو رودريغيز، الذي يعد أحد أبرز الموسيقيين الكوبيين وأحد رموز الثورة الكوبية، جولته الأولى في الولايات المتحدة خلال 30 عاما، حيث غنى سيلفيو في ست مدن أميركية، الأخيرة منها كانت أورلاندو في ولاية فلوريدا، محققا هناك نجاحا مدويا، وذلك بينما تستعد الفرقة الموسيقية الأوركوسترالية «بوينا فيستا سوسيال كلوب» لاستهلال جولة أخرى في نيويورك لا تقل رمزية عن جولة رودريغيز نفسه.

إلى الحديقة الخلفية

ذكرت صحيفة «الباييس» الإسبانية أن نجوم الأغنية الكوبية القديمة مضى عليهم سبع سنوات، من دون أن يقيموا حفلات موسيقية في الولايات المتحدة بسبب محاذير وقيود سياسية متعددة غالبا ما تكون قادمة من الشمال، لا سيما منذ عام 2003 عندما فرضت إدارة جورج دبليو بوش، قيودا على التبادل الثقافي بين البلدين ما أدى إلى توقف حفلات غالبية الموسيقيين الكوبيين.

وكذلك حفلات هذه الفرقة التي تستعد لزيارة الولايات المتحدة، والتي حققت نجاحا كبيرا تحت قيادة ري كودير في الولايات المتحدة عام 1996، بينما تعود فرقة «بوينا فيستا»، إلى حديقتها الخلفية الطبيعية في يومنا هذا، بعد رحيل نجوم موسيقيين كبار لمع نجمهم في الولايات المتحدة، على غرار كومبايا سيغوندو، إبراهيم فرير وروبن غونزاليز.

ومن بين الفنانين الكوبيين الذين سيعتلون خشبات مسارح في نيويورك وشيكاغو ولوس أنجليس، عازف الغيتار مانويل غالبون وعازف الترومبون ومدير الأوركسترا خيسوس أغواخي راموس، الذي تعني له العودة «تصفية دين»، وقال أغواخي عشية القيام بهذه الزيارة:» كل هذا جميل بالنسبة لنا، لأننا تركنا جمهورا تهمه الموسيقى الكوبية، وهو يحب موسيقى ال«صون»، ال«دانسون» وال«بوليرو».

ويعتقد أغواخي ومعه فنانون آخرون، أن الشعور بالفطرة السليمة سيبدأ شق طريقه بنفسه، فلقد تلقى فنانين كوبيين، في الآونة الأخيرة، جوائز من وزارة الخارجية الأميركية، من بينهم المغنية أومارا بورتوندو والثنائي «بوينا فيه» والملحن كارلوس فاريلا وفرقة السالسا «فان فان»، بالإضافة إلى سيلفيو رودريغيز نفسه.

في كل الاتجاهات

ولكن الوجهة ليست من الجنوب إلى الشمال فحسب، فهناك حركة ثقافية فنية نشطة بالاتجاه المعاكس نشطة كذلك، أي من الشمال إلى الجنوب ومن الولايات المتحدة إلى كوبا، فلقد أقامت فرقة «أميركان باليه تياتر» الأميركية، خلال شهر يونيو الماضي حفل تكريم كبير على مسرح «متروبوليتان أوبرا هاوس» لمديرة فرقة الباليه الوطنية الكوبية أليسيا ألونسو، احتفاء بالذكرى السبعين لولادة فرقتها، حيث كانت ألونسو قد أدت برفقة فرقة الباليه ألأميركية، بين عامي 1941 و1948، وكانت في الفرقة الأميركية حيث قامت بدور جيسيل، الذي يعد ذروة عطائها الفني.

كما أن بعض الفنانين المقيمين في الولايات المتحدة سافروا باتجاه هافانا، بمعرفة حكومة أوباما وبتصريح منها. فلقد أحيت فرقة «كايي 13» البويرتوريكية، في أبريل الماضي حفلة موسيقية على كورنيش هافانا المعروف باسم «مليكون»، أمام 200 ألف كوبي.

وفي سبتمبر من عام 2009، تمكن الموسيقي الكولومبي خوانيس، المقيم في ميامي، من تنظيم حفلة موسيقية من أجل السلام في ساحة الثورة في هافانا، في ظل غياب أميركي، بينما حضرها موسيقيون من عدة بلدان.

والسلطات الأميركية سهلت عملية النقل المباشر لكل معدات نظام الصوت من فلوريدا، فضلا عن منح عشرات التأشيرات للفريق التقني، بينما شارك أكثر من مليون كوبي في الماراتون الموسيقي في الساحة المشهورة، التي اعتاد زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو أن يعتلي منصة تقام فيها في الأول من مايو من كل عام، ليلقي خطابا مطولا، وقد سقط أثناء إلقائه أحدها، مغشيا عليه.

«تغيير واضح»

«التحسن ملحوظ»، هذا على حد قول الرسام الكوبي غوستافو إيتشيفاريا كوتي، فلقد كان في ميامي مدعوا من قبل الجامعة العالمية في فلوريدا، لإلقاء محاضرة حول فن الرسم الكوبي، كما أن الولايات المتحدة منحته من جديد تصريحا آخر كي يقيم معرضا في ميامي.

ويضيف إيتشيفاريا: «ثمة تغيير واضح في السلوك. إذا كان من المستحيل تقريبا الحصول على تأشيرة دخول في ظل حكم بوش، فإن حكومة الولايات المتحدة في يومنا هذا، أكثر مرونة بكثير، حيث لا تعطى تأشيرة الدخول إلا لعدد ضئيل من الفنانين».

من الملاحظ أن هذه السياسة لها تأثير متعدد الجوانب، حيث «المؤسسات الثقافية ألأميركية الحكومية العامة والخاصة على حد سواء أدركت هذه المرونة وأبدت اهتمامها في تشجيع فناني الجزيرة ومشاركتهم في ملتقيات عالمية»، على حد قول الفنان نفسه، والذي يعتبر أن هذا التوجه «جيد للبلدين»، في حين يعرب عن أمنياته بأن يتواصل ذلك، قائلا ليت هذا التوجه يستمر، فالثقافة بوسعها وضع اللبنات الأولى للجسر الذي عاجلا أو آجلا سيوحد كلا البلدين.

الثقافة والرقص جسر التقاء

يمكن القول إذا إن ما تفرقه السياسة بين البلدين، تجمعه الثقافة والفن والموسيقى والرقص، حيث بات في حكم المؤكد أن الولايات المتحدة وكوبا تسهلان في يومنا هذا، تبادلا ثقافيا مشتركا تتبناه الحكومتان بشكل متحفظ وحذر، لكن مواقف الفنانين في كلا البلدين، مغايرة تماما للمواقف الرسمية فيهما، فهم شغوفون وراغبون برؤية هذا الصراع الثنائي وقد انتهى على الأقل في الحقل الفني والثقافي.

وبعضهم يرى أنه لا مناص من حدوث تقارب ثقافي بين المجتمعين، لا سيما وأنهما تقاسما ولا يزالان على هذا الصعيد الثقافي، الكثير من الأمور وعلى مر عقود من الزمن، حيث لا تزال الروابط الثقافية بين البلدين قوية جدا، لكن بطريقة فيها شيء من المواربة.

والواقع القائم على الأرض يشير إلى أن الفنانين الكوبيين الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة بعد اعتلاء أوباما سدة الحكم، قد استقبلوا بحرارة على خشبات مسارح العديد من المدن الأميركية، وفي مقدمتها ميامي، معقل الجالية الكوبية المناهضة لنظام كاسترو، ولقد شكلت الفنانة الكوبية أومارا بوتووندو حتى الآن، السيدة الكبيرة وسفيرة لهذا التبادل الثقافي، حيث كانت إحدى من قدمن حفلة تسليم جوائز «غرامي» في لاس فيغاس- نيفادا، في نوفمبر الماضي، ولقد تلقت إحدى تلك الجوائز.

وكانت هذه هي المرة ألأولى التي يحضر فيها فنان مقيم في كوبا، فعالية من هذا النوع في الولايات المتحدة، وذلك أن حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة كانت ترفض دائما منح تأشيرات الدخول اللازمة للفائزين من الكوبيين بجوائز «غرامي».

ومهما يكن من أمر، فإن العلاقات الرسمية بين البلدين الأميركيين لن تحجب تاريخا حافلا من التقارب الكبير في كافة الميادين بين مجتمعيهما، والذي يعكسه واقع الحال والعديد من الأعمال الفنية والسينمائية، وعلى رأسها فيلم إندي غارسيا «المدينة المفقودة»، المأخوذ عن قصة كتبها الأديب الكوبي الراحل جييرموا كابريرا إنفانتي وفيلم «الرقص القذر»، الذي ليس فيه من القذارة إلا اسمه.

والذي لمع فيه نجم الممثل الأميركي الراحل باتريك سوايزي والممثلة جنيفر غراي، وهو فيلم يرصد المشهد الذي كانت عليه هافانا عشية انتصار الثورة الكوبية على نظام باتيستا، حيث تتناول قصة الفيلم علاقة قائمة على فن الرقص تجمع بين شاب كوبي يعمل نادلا في نادي ليلي، وفتاة أميركية يعمل والدها في إحدى الشركات الأميركية الكبرى في العاصمة الكوبية، وذلك في إشارة رمزية لما هو شعبي وما هو رسمي في العلاقة الأعم والأشمل بين بلديهما، التي على الرغم من ما اعتراها من وهن تحت ثقل لغة المصالح والسياسة، إلا أنها لم تتمكن من التغلغل في نسيج الروابط الاجتماعية بين الناس.

ومن ينسى ما قاله الكوبي خافيير سواريس، بطل الفيلم، لمحبوبته الأميركية كايتي ميلر، في المشهد الأخير من الفيلم «لم نربح مباراة الرقص، لكننا كسبنا شيئا آخر أهم، فلقد أصبحنا وردة حقيقة، صحيح أننا لا نعلم متى سنلتقي من جديد، لكننا على يقين من أن هذه الرقصة لن تكون رقصتنا الأخيرة».

إنه مشهد يجسد بقوة واقع تلك العلاقة ومستقبلها، ويعطيها بعدها التاريخي المتشكل على مدى قرون من الزمن لن تتمكن خزعبلات السياسة ومصالح الشركات من شطبه بجرة قلم، فالجزيرة تحتل مقام الروح في الجسد الأميركي الذي لا يمكنه الاستغناء عن روحه، والتي تحتاج لذلك الجسد كي تبقى الرقصة التي أداها خافيير وكايتي، خالدة.

باسل أبو حمدة