خرج كوكب الأرض عن كل ما هو مألوف ومتوازن ومستقر، انفجار سكاني عشوائي في كل مكان.. ازدحام خانق يطيح بالإنسان.. تلوث ضوئي لم تعتده العيون، أصوات متداخلة كالصراخ تستقر في الآذان وتتلف الدماغ، وتدغدغ الأعصاب.. فيصرخ الإنسان واعداً بالعنف والدمار، مودعاً إنسانيته وجماليات سلوكياته دون العودة إلى الاتزان.
العنف.. لغة عصر لاهث مجنون، بهدوء، ربما يكون مفتعلاً ـ لأننا داخل منظومة هذا العصر ـ بهدوء نحكي قصة العنف.. فما هو؟ وهل أصبح سلوكاً معتاداً أو لغة إنسان أو تعبيراً جسدياً شق طريقه ليخرج كالمارد من قلب الإنسان؟ ربما..! ولكن.. .
العنف، كما يصفه علماء النفس والاجتماع هو تعبير عن القوة الجسدية التي تصدر ضد النفس أو ضد أي شخص آخر بصورة متعمدة، أو إرغام الإنسان على القيام بهذا الفعل ـ العنيف ـ بسبب شعوره بالألم العضوي والنفسي الذي تعرض له من أذى أو ظلم أو عنفوان، ومظاهر العنف تأخذ أشكالاً متعددة كتدمير الأشياء والممتلكات والسطو والاعتداءات واستخدام منطق الأقوى وسيادة الأكثر عنفاً في كل المجالات.
وتستخدم لغة العنف في جميع أنحاء العالم كأداة للتأثير علي الآخرين، أو جلْد النفس وتصنيفها وربما هنا يكون العنف إيجابياً نسبياً، أو نوعاً من المرض، كما يطلق عليه علماء النفس اسم «السادية».
مخالب بدل الحب
إن العنف كظاهرة تحيط بنا في كل مكان حتى داخل منازلنا، عندما يكون الحوار طلقات نيران، ويتحول الناس إلى أعداء، فيكون العنف والظلم في أبشع صورهما، عندما تنزع السكينة من أسرة ما، ويخرج الجميع المخالب بدلاً من الحب والجمال والأخلاق والمنطق، جميعها مفردات ونظريات هجرتنا وولت في البعيد بلا عودة!
العنف من الأمور التي تحظى باهتمام القانون والثقافة معا، حيث يسعى كل منهما إلى قمع ظاهرة العنف، والحد من انتشارها حتى لا تكون لغة العصر.. عصر الجنون وغياب الجمال المطلق. صور كثيرة تعكس العنف، ابتداء من عنف الكلمات وغياب الحوارات المتزنة، امتداداً إلى الاعتداء بالأيدي والضرب، وانتهاء بالحروب والإبادة الجماعية، مروراً بالعنف السلوكي والنفسي، يصاحبهما صراخ وطلقات كلمات تشبه الرصاص وربما أشد منه طغياناً.
جذور
مسيرة العنف في العالم ليست حديثة كما يعتقد الكثيرون، فهي ظاهرة سطرها التاريخ البشري للإنسان والحيوان وللطبيعة ذاتها، كل هؤلاء يخرجون في أحيان كثيرة عن المألوف.
صور متعددة
وقد وجد علماء النفس والمثقفون والقائمون على القانون، أن هناك ظواهر يطلق عليها «عنف» في مظهرها ولكن جوهرها مختلف، والقائمون عليها لا يمتّون بصلة للعنف بمعناه الواسع، وعلى سبيل المثال، فإن في مفاعيل وظروف وأطراف إصدار حكم بالإعدام، وهو عقوبة مشروعة، فإن علماء النفس لا يعتبرون القاضي عنيفا.
ولا منفذ الإعدام عنيفاً، وهنا يوضح علماء النفس بعداً هاماً، وهو أن العنف في أحيان كثيرة، يرتبط بفهم طبيعة العلاقة بين المعتدي والضحية، ومن هنا فإن حالات الدفاع عن النفس ليست عنفاً، وإنما هي لغة دفاع ربما تساوي نسبة العنف الذي وقع على الضحية.
وأوضحت منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض في الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً، أن العنف إذا ساد كمنهج حياة واتخذ صوراً متعددة مثل العنف السلوكي والجسدي وانفجارات سكانية وتلوثات صوتية وبيئية وأيضاً ضوئية، وجميعها مشاهد لعنف بشكل غير مباشر، كل ذلك يؤدي إلى خلق إنسان هَشْ، يفتقر للصحة، مهدد بأن يكون فريسة للعديد من الأمراض العضال في مقدمتها السرطان بمختلف أنواعه والانهيارات العصبية وأمراض القلب والشلل، وجميعها أمراض تحط برحالها على الإنسان بسبب ضعف المناعة التي يتسبب فيها كل أنواع العنف.
فالضيق والاكتئاب والخوف المرضي أمراض تنتج حالات عنف مباشرة على شخص بعينه، أو يُكّون مناخا عاما يتأثر به الإنسان فتضعف مقاومته وتختل وظائف جهاز المناعة لديه، بالإضافة إلى الخلل في هذا الجهاز الفعال في جسم الإنسان، يؤثر كذلك على مظهر الإنسان الذي يأخذ شكلاً معيناً كتساقط الشعر وظهور قرح على امتداد البدن، ورجفة في الكفين والفم، وإهمال الإنسان لذاته، فيصبح هيكلاً لا يصدر عنه سوى الاستسلام والآهات ونبرات اليأس.
وعلماء الاجتماع يطرحون ما يعرف باسم «العنف الهيكلي»، وكان أول من قام بهذه الدراسة البروفسور وعالم الاجتماع الألماني «جوهان جالتونج»، أوضح بأنه يمكن تجنب العنف بكل مستوياته إذا ما أحيط الإنسان بالاحتياجات الأساسية له، مثل سلامة البقاء وتعزيز هامش رفاهية له، ومساحة من الحرية، والبعد به عن القمع ومظاهر القهر، ويؤدي غياب هذا المنهج وهذه المفردات الإنسانية إلى تقوية نزعة العنف في الإنسان، وتحويله إلى شخص متهور بعيد عن الاتزان.
ولأن الإنسان محاط بالعديد من مظاهر العنف من حوله، كالرياضات العنيفة: الملاكمة والمصارعة، ومصارعة الثيران والرياضات اليابانية والصينية التي ترتكز على العنف، كالكاراتيه،الكونغ فو. وهي قد تؤدي أحياناً إلى الموت أو الإصابات الخطيرة التي تشل حركة الإنسان فيتحول إلى كائن عنيف المزاج لا حول ولا قوة له جسدياً، بسبب الإعاقات التي تسببها الرياضات العنيفة.
«الكاناريا» ..لا عنف فلا مرض
ويوضح دكتور شنايدر جانجز، وهو طبيب ألماني متخصص في علم النفس السلوكي ـ يوضح ـ هذه النوعية من الرياضات العنيفة التي تلحق جسد الرياضي بعضلات بارزة، تعكس بداخله بذور العنف لأنه يتمكن من البطش بأي شخص أقل منه بكثير في البناء الجسماني وخاصة العضلي.
ورياضة المصارعة ـ كما تؤكد دراسته الأخيرة ـ «المصارعة تجنب العنف»، يوضح فيها انه مع مرور الوقت يتحول المصارع إلى إنسان عدواني خارج حلبة المصارعة، وبمرور الزمن يصبح مهمشاً من المجتمع، لأن الجميع يتفادون الدخول معه حتى في مجرد حوار سلمي.
ويلقي د. شنايدر الضوء على سلوكيات راقصات البالية، بأنهم من أكثر الشخصيات الإنسانية توازناً وهدوءاً ورهافة شعور فالبالية فن من فنون النخبة التي يرتقي بالإنسان ويجعله محلقاً في الآفاق، لديه الحلول السلمية والبسيطة حتى لأكثر المشاكل تعقيداً، بالإضافة إلى دراسته لتأثير كلاسيكيات الرقص كالتانجو والفالس على أنغام الموسيقى الكلاسيكية.
فقد وصف هذا المناخ ـ بأنه يرشح «يفلتر» كل عنف داخل الإنسان حتى العنف الفطري وهو ما يسمى في علم النفس الحديث «بالعنف الدفاعي»، ولكن ليس معنى ذلك أن يكون الإنسان مقهوراً ضعيفاً منزوياً، وإنما يكون أكثر نضجاً ووعياً وثقافة، لأنه سيتعرف على نفسه بطريقة أفضل وعلى الآخر بطريقة لا تخلو من الحيادية والاحترام.
ووصلت الدراسات السلوكية للحيوانات إلى أعلى مستوياتها، فقد قامت منظمة الحفاظ على الحيوانات وخاصة التي في طريقها للانقراض، وهذه المنظمات تمتد في الولايات المتحدة وكندا واليابان ووسط أوروبا، وجميعها قامت بدراسات أوضحت أن الطيور التي تصدر أصواتاً كالموسيقى مثل طيور «الكاناريا».
وهي نوعية من العصافير المغردة، وأيضاً الببغاوات التي لها ملكة تقليد الكلام، هي مجتمعات من الطيور التي لا تعرف العنف مطلقاً، وبالتالي هي مسالمة في الأسر والمحميات الطبيعية ونادراً ما تمرض، لأن جهازها المناعي من أقوى الأجهزة المناعية وسط مملكة الطيور والحيوانات، والدراسات هذه أوضحت بأن الأسود التي لا تعرف سوى أبجدية العنف والبطش، هي اقل الحيوانات في مستوى فاعلية جهازها المناعي.
لذلك يصاب الأسد ملك الغابة دائماً بالشيخوخة المبكرة بسبب توقف جهازه المناعي كرد فعل طبيعي لعدوانيته المفرطة، يليه في ذلك القرش الشرس في مملكة عالم البحار، ويعتبر الدلفين صديق الإنسان الأعلى مناعة في عالم البحار والأسماك، لأنه يتميز بحبه للإنسان وبقية المخلوقات، ويمد جسور الصداقة فيما بينه وبينهم.
منى مدكور

