تنعطف المسلكية العربية نحو تقليد الآخر بطريقة الاستلاب والانبهار، وتطال كل شؤون الحياة، وليس من منطلق المحاكاة كوسيلة للتعليم، ولكن ذلك الاستلاب نحو التخاطب والمفاخرة والاعتداد بالذات والاستعراض والمباهاة، وتكاد جميعها تكون مترادفات لمعنى واحد، لكنها تأتي في سياق الاستلاب اللغوي نحو اتساع أفقي لمنظومة لغوية ليست بالانجليزية أو الفرنسية أو الايطالية، إنها لغة لا هوية لها تفيد في التواصل وتسليك الأمور من منطق (مشي حالك) وتفيد في خانة (اللغة الانجليزية: جيد جداً)، وأحياناً يتجرأ من هم ليسوا بأحفاد شكسبير على التصريح بأن لغتهم الانجليزية ممتازة عندما يتقدمون لشغل وظيفة ما!

يجري الاعتقاد لدى فئة واسعة من الأجيال الجديدة أن اللغة الثانية هي مفتاح التقدم اجتماعياً، ويكثر معظمهم من استخدام عبارات هجينة في نصهم الشفوي، بمعنى الخليط التفاخري الذي يفرز المرء اجتماعياً كشخص ينتمي إلى طبقة أخرى تجيد استخدام عبارات انجليزية (وليس لغة، لأن اللغة آليتها مختلفة تماماً)، وهذا التفاخر الاستعراضي لا يتم في بلاد شكسبير بل هو تفاخر بين مضاربنا، فلا أحد يبيع الماء في حارة السقائين، وكثيراً ما يتم تجاوز النص الشفوي نحو كتابة تبلغ درجة ركاكتها مواضيع إنشائية لمن لا يتقنون اليابانية!

وعلى ذكر اليابان يعمل مختبر لغوي في طوكيو منذ نصف قرن للبحث عن أبجدية أخرى لكتابة اللغة اليابانية، بدلاً من الأبجدية الصينية المستخدمة بشكل واسع في شرق آسيا.

لقد شجعت ذهنية الأفضلية على تعزيز إهمال اللغة الأم لكي تحل محلها ما نلمسه اليوم من عبارات جاهزة تفيد في عمليات البيع والشراء، وهي عبارات لا تنشئ مخيلة خصبة ترتقي بالهوية الوطنية أو ترسخ وجدانياً مفهوم الأفضلية بما يمنحه التاريخ لنا من ماض كانت اللغة فيه وعاءً حضارياً ميزانه الذهب، ولطالما كانت علوم الهند والصين تنقل إلى اللاتينية عبر لغة وسيطة هي اللغة العربية، فإذا كانت أميركا تكتب تاريخ اليوم عبر السينما.

والبرازيل تكتب تاريخها عبر كرة القدم، فإن الشعر أكبر طاقة وجدانية على مر العصور كتبت تاريخ العرب لقرون وقرون، وإذا كانت معرفة عبارات بالانجليزية دافعاً للتفاخر، فإن التفاخر الحقيقي هو باللغة الأم التي حملت إلينا كل أحداث المنطقة عبر الشعر.

hussain@albayan.ae