جعل المؤرخ الأميركي «وودي هولتون»، الأستاذ في جامعة ريشموند الأميركية، من دور الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، مركز الاهتمام الأساسي لدراساته. وكتابه الأخير الذي يحمل عنوان «الأميركيون السود في الحقبة الثورية»، هو دراسة عن تجارب «العبيد» الذين تحرروا وخدموا في صفوف القوى الوطنية في الحقبة الثورية.
إن المؤلف يقدّم في هذا الكتاب نظرة جديدة على مفهوم الحرية أثناء الحقبة الثورية، وذلك من وجهة نظر السود تحديدا، أي الأميركيين السود، وهو يشرح من خلال ذلك كيف أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة لم يكونوا أصحاب الأسماء الشهيرة مثل جورج واشنطن وبنيامين فرانكلين وجون ادامس وغيرهم من المشاهير فحسب، ولكن كان في عدادهم أيضا مواطنون عاديون ساهموا في «التأسيس» لما أصبحت عليه أميركا اليوم.
وفي الصفحات الأولى من الكتاب يقوم المؤلف، من موقع المؤرخ، بتقديم عملية توصيف دقيقة ومفصّلة لما كانت عليه ظروف حياة الأميركيين السود عشية استقلال المستعمرات عن التاج البريطاني.
ويؤكد أن هؤلاء كانوا مأخوذين مثل الأميركيين الآخرين، وربما بدرجة أكبر، بالحصول على الحرية. ويشرح أن «الخطاب الثوري» الذي كان شائعا آنذاك حول الحرية قدّم للأميركيين السود أداة فعّالة و«لغة» استلهموا منها مجموعة من المطالب التي كانت تصبّ كلها في خانة خدمة القضايا التي كانوا يدافعون عنها.
لكن المؤلف يشير في هذا السياق إلى الهوة الكبيرة التي كانت قائمة بين الخطاب «الجميل» حول الحريّة والتحرر وبين ما جرى تطبيقه في أرض الواقع. ذلك أن السواد الأعظم من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية ظلّوا مصنفين في خانة «العبيد» بعد قيام الثورة الأميركية. هذا رغم تأكيد التحليلات المقدّمة على أن هؤلاء كان لهم دور حاسم في توجيه الثورة وفي تحديد المآل الذي وصلت إليه. بل ويؤكد المؤلف أن دورهم ظلّت آثاره موجودة.
إن المادة الأولية التي يستخدمها المؤلف في تحليلاته تتمثّل في كمّ كبير من الوثائق المختلفة التي تشمل روايات شخصية وعرائض كان قد جرى إعدادها أثناء الحقبة الثورية ووسائل متبادلة على أصعدة مختلفة بين من عاشوا أو عايشوا الفترة الثورية، وهناك أيضا قصائد «مجهولة» عن الحرية والتحرر لأميركيين سود في تلك الفترة وصور ووثائق إدارية وغير ذلك.
ومن خلال هذه الوثائق المتنوعة والمتعددة يبرهن المؤلف أنه كان للأميركيين ذوي الأصول الإفريقية دور فعّال أثناء الحقبة الثورية. وكانت لهم أهدافهم المتنوعة أيضا والتي ناضلوا لتحقيقها في إطار التوجه العام نحو التحرر والاستقلال. وبالتالي في أفق صياغة الدستور الأميركي.
وبعد التفحّص الدقيق لآلاف الوثائق الخاصة أو الموجودة كمواد مؤرشفة، يقدم وودي هولتون ملخصا للتاريخ الأميركي خلال الحقبة الثورية التي يحددها بسنوات نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ويؤكد بمحصلة تحليلاته أن الأميركيين السود، إلى جانب فئات أخرى من أبناء البلاد الأصليين والنساء وصغار المزارعين، أي أولئك الذين يشكلون 95 بالمئة من مجموع الشعب الأميركي آنذاك، كانت لهم مساهماتهم في الحركة التي انتهت إلى قيام الثورة و«الحرب من أجل الاستقلال».
ولا يتردد المؤلف في القول بهذا السياق إن المستوطنين العاديين المشهودين بسلبيتهم، هم الذين كان قد وقع على عاتقهم القيام بالثورة وحدهم، فإن تلك الثورة كانت ستعرف مسارا مختلفا، وربما أنه ما كان لها أن تقوم. صفة «السلبية» لهؤلاء المستوطنين تبدو بوضوح .
وتتم الإشارة في هذا السياق أنه لو لم يتمرّد الأميركيون السود والهنود ضد ظروف عملهم في مطلع عقد السبعينات في القرن الثامن عشر فإنه ما كان للمستوطنين التمرّد بدورهم ضد السلطة الإمبريالية البريطانية. لقد بدأت الأمور ب«الغضب» وبالمطالبة بإصلاحات وانتهت إلى التمرّد والثورة.
لقد حاربت مجموعات من العبيد «السابقين» إلى الجانب الأميركيين الآخرين الذي قرروا ولوج طريق التحرر والثورة.
وكان «الثمن» الأول الذي حصل عليه العبيد هو «حريتهم». ولا يتردد المؤلف في القول أيضا بهذا السياق أن السود والهنود والبيض «العاديين» هم الذين ساهموا بالقسط الأكبر في دفع أشخاص عن أمثال جورج واشنطن وغيره من المؤسسين إلى المضي قدما في طريق الاستقلال.
مع ذلك بقي التمييز العنصري قائما وضاغطا حتى أواسط القرن العشرين حيث بدأت بعدها معركة «الحقوق المدنية» للسود الذين كان لهم نصيب هام فيما يخصّ المساهمة بالثورة وبالاستقلال ولكن دون أن يكون لهم نصيب مماثل في الحقوق بعد قيام الولايات المتحدة الأميركية.
الكتاب: الأميركيون السود في الحقبة الثورية
تأليف: وودي هولتون
الناشر: سانت مارتينس برس نيويورك 2009
الصفحات: 160 صفحة
القطع : المتوسط
Black Americans in the revolutionary era
Woody Holton
Saint Martin- Press New York 2009
160p.
