العديد من الفلاسفة كانوا قد جعلوا من المشي في الطبيعة رياضتهم المفضّلة، وليس أقلّ هؤلاء شأنا جان جاك روسو وايمانويل كانط وكُثر غيرهما. ومن المعروف أيضا أن رياضة المشي على الأقدام يزداد ممارسوها أكثر فأكثر في السياق الراهن وذلك على خلفية ما تبعثه من مشاعر الهدوء النفسي والتواصل مع الطبيعة.
وقد عرفت رفوف المكتبة الفرنسية قبل أسابيع قليلة كتابا جديدا لأستاذ الفلسفة في جامعة باريس الثانية عشرة، فريديريك غرو، تحت عنوان «المشي، فلسفة».ويبدأ المؤلف بالحديث عن «فضائل» المشي الذي يمكن للجميع أن يستفيدوا منها. ذلك أن ممارسة المشي لا تتطلب تعلّما ولا تقنية خاصة وليست بحاجة إلى عتاد وتجهيزات، هذا فضلا عن أنها مجانية ولا تحتاج إلى أية أموال، إلا إذا أراد ممارسوها التزوّد بأحذية مكرّسة لغرض المشي تحديدا. وما يحتاجه المشي لا يتعدى القدرة البدنية وامتلاك الزمن لفعل ذلك وتوفر المكان الملائم بالحد الأدنى كإطار.
هذه الفضائل البدنية والنفسية يتفق حولها الجميع. ولكن المؤلف يؤكد على أن للمشي فضائل أخرى في مقدّمتها أنه يمثل أيضا «فعلا فلسفيا» و«تجربة روحانية». وهذا ما يحاول البرهنة عليه من خلال الانتقال من مفهوم «التسكّع» إلى مفهوم السير بغية الوصول إلى موقع له «مكانة سامية»، ومن مفهوم الطبيعة البدائية إلى مستلزمات الحضارة.
ويلجأ فريديريك غرو أيضا إلى استخدام الأدب والتاريخ والفلسفة. إنه يتحدث عن ارتور رامبو و«إغراء الهرب» المستمر لديه مدفوعا إلى المشي حين تقوده قدماه وذلك كتعبير عن «حاجة إلى الحرية وإلى الشمس». والمهاتما غاندي لجأ إلى المشي كممارسة صحية ولكن أيضا كممارسة روحانية كي تصبح بعد ذلك ممارسة سياسية و«سبيل للمقاومة». وكانت مسيرته الشهيرة باسم «مسيرة الملح» قد ساهمت في استقلال بلاده عن التاج البريطاني.
ولم يكن الفيلسوف الكبير ايمانويل كانط ينسى السير يوميا لعدة كيلومترات. وجان جاك روسو اعتبر في كتابه الشهير «ايميل» أن أفضل طريقة لتهذيب النفس هي «المشي الحر» في أحضان الطبيعة.
وفي المحصلة يغدو المشي على غرار هؤلاء الكبار فعلا من طبيعة أخرى. بل ويذهب المؤلف إلى حد السؤال: وماذا إذا كان يمكن للإنسان أن يفكّر بقدميه؟ وماذا تعني جملة فريديريك نيتشه: «إن أصابع القدم تنتصب كي تستمع». إن المؤلف يحاول بالتحديد أن يشرح مثل هذه المقولة. وله هدف معلن يعبّر عنه بكل وضوح وصراحة وهو أن «يعلّمنا كيف نمشي».
وفي الحقيقة يحاول أن «يعلّمنا من جديد» فكثير من الأقدمين كانوا من «العارفين» بفضائل المشي. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن الكثير من المبدعين في حقل الفن والأدب والفلسفة مارسوا » المشي» باعتبار أنه فن قائم بذاته وتعاملوا معه بكثير من الرهافة كحركة «خلاقة» في مجال معيّن.
ويرى المؤلف أنه فيما أبعد مما هو احترافي في ميدان المشي، خاصة فيما يتعلق بالمنافسات الرياضية، يمكن ل«الخطوات» أن تأخذ دلالات عديدة تبعا لأولئك الذين يقومون بها، وهل هم متسكّعون أم «قاصدون» لهدف؟.
ويتساءل المؤلف: هل هناك إنسان لم يقرر ذات يوم أن يسير مسافة على الأقدام؟ وهل هناك لم يفكر أن يأخذ بعض الوقت من العمل كي يمارس المشي في الهواء الطلق قرب مجرى النهر المجاور أو في أي مكان آخر يؤمّن له شروط الراحة؟
كل الناس يمشون، أو كلهم يستطيعون فعل ذلك إذا لم تكن هناك إعاقة ما تمنعهم من ذلك. لكن المؤلف يؤكد على وجود تباين كبير بين أنواع عديدة من المشي. هناك المشي في المدن والسريع بطبيعته والمحسوب بالدقائق في أغلب الأحيان، وهناك المشي الذي لا يتم فيه حساب الزمن و«لا فائدة» محددة مطلوبة منه. وقد يمارسه الإنسان وحده أو ضمن مجموعة من «المشّائين».
وهناك من يمشي كي يستنشق «حفنة» من الهواء النقي، وهناك من يفعل ذلك كي يخلو لفترة قصيرة مع نفسه ويراجع أفكاره أو كي يتخلّص من الضغط الذي ربما عانى منه طيلة أيام الأسبوع الماضية.
الجميع يعرفون ذلك، كما يشير المؤلف، كي يؤكد مباشرة أن المشائين الحقيقيين يتعرّفون سريعا على بعضهم البعض من طريقة حديثهم عن تجربة المشي. ولكنه يتحدث بالوقت نفسه عن تجربته الشخصية بأسلوب في غاية البساطة دون أن يُثقل عليه بالمفاهيم الفلسفية. إنه يصف المشي بوضع قدم أمام أخرى، وهكذا دواليك. المهم هو التنفّس جيدا وأن يجد الإنسان الإيقاع المناسب لتكوينه الجسدي، وحيدا كان أن وسط مجموعة. وكل إنسان له بهذا الخصوص، كما يقول المؤلف، مزاجه.
والفيلسوف فريديريك نيتشه «لم يكن يعرف كيف يفكر إلا وهو يمشي»، ومن المعروف عنه أنه وجد في إحدى نزهاته فكرة كان يبحث عنها عند فترة طويلا فلم يكن منه سوى أن ركع على ركبتيه وهو يردد «لقد وجدتها»، مثلما فعل «نيوتن» عندما اكتشف مفهوم «الجاذبية الأرضية». وينقل المؤلف عن الفيلسوف نيتشه قوله: «إن المشي يجلب إلى الشفاه نفحات من الشعر المتكرر والعفوي، وكلمات بسيطة مثل وقع الخطى على الطريق».
نقرأ: «هل يمكن للإنسان أن يمشي وحيدا؟. إن الأمثلة على المشي وحيدا كثيرة منها نيتشه وتورو وروسو. ثمّ إن المشي مع الجماعة يشوّش الخطى. ذلك أن المقصود بالمشي هو إيجاد الإيقاع الخاص للمعني فيه. وهو الإيقاع الذي يناسبه بحيث لا يتعب ولو مشى ساعات طويلة. ثم عندما يكون المطلوب هو ضبط الإيقاع الشخصي على خطوة آخر تسريعا أو تبطيئاً فإن الجسد يستجيب بدرجة أقل».
وهذا كله يقوم على قاعدة أساسية هي أن «الجسد ليس آلة»، كما يؤكد المؤلف الذي يكتب أثر من 300 صفحة في مديح المشي ف«المشّاء ملك والأرض هي مملكته».
الكتاب: فلسفة المشي
تأليف: فريديريك غرو
الناشر: كارنيه نور باريس 2010
الصفحات: 302 صفحة
القطع: المتوسط
Marcher، une philosophie
Frédéric Gros
Carnets Nord - Paris 2010
302p.

