تأخذ الرياضة حيّزا متعاظما أكثر فأكثر من اهتمام الناس في مختلف المجتمعات. ولا شك في أن وسائل الإعلام كان لها باع طويل في مثل هذه الظاهرة، وخاصة التلفزيون حيث غدا مئات الملايين يلاحقون الأحداث الرياضية الكبرى وفي مقدمتها بطولة كأس العالم لكرة القدم، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية.
وكتاب «الرياضة ووسائل الإعلام والمجتمع» لمؤلفتيه لورا هيلس وايلين كندي الأخصائيتين بالرياضة وبعدها التربوي والاجتماعي، يدرس العلاقة المثلثة في زمن ثورة المعلوماتية والاتصالات والتلفزيون أولا، ذلك على أساس أن «الرياضة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من نشاطات وسائل الإعلام اليوم».
هذا الكتاب يدرس الرياضة أساسا على أنها أصبحت «ظاهرة إعلامية» بامتياز. وفصول عناوين الكتاب الثمانية تدل على هذا بوضوح إذ جاءت كالتالي: «تحليل وسائل الإعلام المختصّة بالرياضة» ثم «الرياضة والسينما»، و«الرياضة والتلفزة» و«الرياضة والصحافة المكتوبة» و«الرياضة والدوريات» الأسبوعية والشهرية والفصلية وغيرها و«الرياضة في عالم الإعلان» و«الرياضة والثقافة» وأخيرا «وسائل الإعلام الجديدة: الماركات والانترنت».
وبالتوازي مع دراسة الرياضة في الإعلام بمختلف تعبيراته المكتوبة والمقروءة تتم أيضا دراسة «السياسات الثقافية الخاصة بالرياضة» وما عرفته من إبهام وتشوش ومن تطورات في العديد من التجارب في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وغيرهما من البلدان الغربية المتقدمة.
إن التحليلات المقدّمة تؤكد على أن التداخل بين الرياضة ووسائل الإعلام قد تعاظم كثيرا في فترة «ما بعد التلفزيون»، هذا في الوقت الذي كانت تشكّل فيه منذ عقود طويلة موضع اهتمام الصحافة المكتوبة بكل دورات صدورها، وخاصة الأسبوعية منها.
هكذا مثلا كانت كبريات الصحف والمجلات تكرّس عدة أعمدة منها للحديث عن التظاهرات الرياضية الكبرى مثل «سباق الدراجات» الذي كان يستدعي اهتمام القراء.
مثل هذه الظاهرة توسّعت وتعمّقت مع تطور وسائل الإعلام نفسها.
وتطوّر بالتوازي أيضا ما تتم تسميته ب«التسويق الإعلامي للرياضة»، خاصة أن دور المال تعاظم هو الآخر في عالم الرياضة، وأصبح مسار الرياضيين مرتبطا إلى حد كبير ب«متعهدي» نشاطاتهم الذين أصبحوا يجنون أرباحا كبيرة من «بيع» صورة «لاعبيهم» عبر وسائل الإعلام الخاضعة هي الأخرى في أغلبية الحالات لنفس «المتعهدين». ثم إن آليات التسويق قد تطورت باستمرار مع تطوّر وسائل الإعلام مع تطور المجتمعات.
ما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن الدور الإعلامي كان كبيرا من حيث المساهمة في تغلغل الرياضة بالثقافة الاجتماعية السائدة. وانتقلت المناسبات الرياضية الكبرى إلى نوع من «المناسبات الاحتفالية» التي تجمع عدة أو عشرات أو مئات الملايين من البشر الذين يلتقون حول المناسبة المعنية. وبهذا المعنى أصبحت الرياضة «ذات قيمة رمزية مركزية» في المجتمعات اليوم.
إن الرياضة والثقافة يتم تقديمها على أنهما قوتان فاعلتان، هذا إذا لم تكونا القوتين الفاعلتين الأقوى في الحقبة الراهنة. لقد فرضتا نفسهما في الحياة اليومية المعاصرة بالتوازي مع تطوّر التقنيات الإعلامية فيما يتعلق بتوسيع دوائر نشر الأحداث الرياضية. هكذا انتقلت بعض هذه الأحداث إلى دائرة «العالمية» مثل الألعاب الأولمبية وبطولات كأس العالم لكرة القدم.
هكذا يتم التأكيد أن الرياضيين الكبار اليوم، أو «أبطال الأولمب الحديثين»، لم يكونوا موضع تكريم وتبجيل أكثر مما هم في الفترة الحاضرة. لكنهم لم يكونوا بأية فترة أيضا أكثر فأكثر إنهاكا بسبب «الجري وراء بلوغ أقصى درجة ممكنة من الكمال». هذا إلى جانب أنهم تحوّلوا في أوقات كثيرة إلى «أدوات» في خدمة الشركات الإعلانية.
وتقوم المؤلفتان في هذا السياق بتقديم قراءة تاريخية سريعة للانتقال من مفهوم «اللعب» في المجتمعات القديمة إلى الرياضة بالمعنى الحديث للكلمة ابتداء من القرن التاسع عشر. كان اللعب قديما بمثابة رهان وتحدِ بالوقت نفسه، وتعبير عن «لحظات مسروقة» إلى هذه الدرجة أو تلك من «الأوقات الاجتماعية» المكرّسة للعمل.
ويتم التفريق في تحليلات هذا الكتاب بين النشاطات الرياضة المترافقة أصلاً مع مفاهيم «الفائدة البدنية» و«المتعة الشخصية»، وبين الرياضة الاحترافية وحيث التي برزت أكثر فأكثر في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة اعبر إعطاء أهمية و«حصة» أكبر لرياضات «أوقات الفراغ». هذا وصولا إلى حد توصيف بعض علماء الاجتماع للحضارة الغربية الاستهلاكية عامة أنها «حضارة أوقات الفراغ».
وفي مثل هذا السياق أخذت الصحافة الرياضية حيّزا أكبر من مختلف وسائل الإعلام، وهي تقدم نفسها على أنها «صحافة مثل غيرها من أنواع الصحافة، لكن دون أن تكون تماما مثل غيرها». لقد انضمّت في الواقع إلى فئة «صحافة الإعلام الكبرى» المكتوبة منها والمسموعة والمرئية، كما بالنسبة للانترنت اليوم. إنها تقوم بنفس الوظائف، وعليها أن تستجيب لنفس المتطلبات التقنية والأخلاقية وتتمتع بنفس الحقوق وتخضع لنفس الواجبات.
في المحصلة يتم التأكيد على أن الرياضة قد أصبحت في قلب اهتمامات المجتمعات الحديثة، وهذا ما يظهر بوضوح من خلال الأبعاد الاقتصادية والثقافية التي أخذتها.
ولعل الرسالة الأهم التي تحاول مؤلفتا هذا الكتاب تقديمها هي أنه ينبغي على الشباب خاصة خوض تجربتهم الرياضية بالاعتماد على رؤيتهم المستقلة و«النقدية» حيال وسائل الإعلام، كما هو الحال بالنسبة لمختلف الظواهر الاجتماعية.
الكتاب: الرياضة ووسائل الإعلام والمجتمع
تأليف: لورا هيلس ايلين كندي
الناشر: بيرغ بوبليشر نيويورك 2009
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Sport, Media aSociety
Laura Hills, Eileen Kennedy
Berg Publisher- New York 2 009
224P.
