اشتهرت أميركا اللاتينية أنها كانت لفترة عقود كاملة أرض الدكتاتوريات بامتياز. ولكن تحوّلا كبيرا بدأ بالظهور منذ عقد الثمانينات الماضي وتمثل بوضوح في توجه العديد من بلدان هذه المنطقة من العالم نحو المعسكر الديمقراطي.
وهذا ما يشرحه سفير فرنسا السابق في كل من البرازيل والمكسيك بكتاب تحت عنوان: «في ظل الدكتاتوريات» الذي يخص فيه «الديمقراطية في أميركا اللاتينية»، كما جاء في عنوانه الفرعي. وكان روكييه قد كرّس عددا من الكتب السابقة لأميركا اللاتينية من موقع معرفته المباشرة بالمنطقة.
إن المؤلف يقوم بدراسته للديمقراطية في أميركا اللاتينية عبر خمسة فصول يتألف منها الكتاب وتحمل العناوين التالية ذات الدلالة على محتوى هذا العمل: «ديمقراطية الموجة الأولى» و«مفهوم المواطنة في قارة استبدادية» و«متابعة الدكتاتورية بوسائل أخرى» و«الإغراء نحو تبنّي مفهوم التعددية» و«الديمقراطيات بين الأمل والشك».
ويستهلّ المؤلف شرحه بالإشارة إلى خصوصية تتميز بها أنظمة أميركا اللاتينية «الديمقراطية» وهي أنها ليست ديمقراطيات قائمة على مبدأ التمثيل، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، ولكنها كلها وريثة أنظمة دكتاتورية، هذا «إذا لم تكن سجينة هذه الأنظمة الدكتاتورية».
وأمام مثل هذا الواقع، ليست قليلة هي الحالات التي تقع فيها السلطة الديمقراطية المنتخبة «تحت إغراء» تجاوز القواعد الصارمة للديمقراطية اللبرالية.
وأحيانا تؤدي استمرارية اللامساواة الكبيرة وحالة العجز التي تعاني منها السلطات العامة وهشاشة المؤسسات الديمقراطية إلى دفع فئات عديدة من المجتمع إلى تمنّي عودة «الحل الاستبدادي» من جديد.
لكن بالمقابل يؤكد المؤلف أنه إذا كانت الأنظمة التي تبنّت آلية «التمثيل الديمقراطي» لا تزال تثير الكثير من الشكوك، فإن هناك طلبا متزايدا لتعميق مفهوم المواطنة، وهذا يعني أن التوجه الديمقراطي يتعزز لدى المواطنين المعنيين.
ذلك على رغم الذاكرة الطريّة لأنظمة دكتاتورية عرفتها أميركا اللاتينية ونالت «شهرة» عالمية في هذا الميدان. وليس أقلها شهرة نظام دموي في 11 سبتمبر من عام 1973. ونظام الجنرالات «فيريلا ومجموعته» في الأرجنتين. ويشير المؤلف في هذا السياق أيضا إلى الأدبيات الكثيرة التي أنتجها مبدعون من أميركا اللاتينية ونالت شهرتها العالمية أيضا مثل غارسيا ماركيز وماريو فارغاس لوسا وغيرهما.
وعبر دراسة «الديمقراطية في أميركا اللاتينية» يعود مؤلف في ظل الدكتاتوريات إلى البحث في الجذور الثقافية واللغوية والعقائدية والتاريخية، لبلدان أميركا اللاتينية. ويصف على ضوء هذا كله علاقات هذه البلدان مع «أنماط» الحكم فيها، وخاصة في الديمقراطيات الجديدة التي لا تزال تعاني من قدر كبير من الهشاشة، إلى جانب استمرار أشكال حادة من اللامساواة واستمرار النزوع الاستبدادي.
ويتمثّل أحد المحاور الرئيسية في تحليلات هذا الكتاب بالعودة إلى المسار التاريخي لبلدان أميركا اللاتينية. ويذكٍّر المؤلف أن استقلال هذه البلدان جميعها عن الاستعمار الاسباني والبرتغالي باسم الشعب باعتباره «مصدر السلطة الوحيد» وشاعت الدساتير الجمهورية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر في أميركا اللاتينية التي عرفت العمليات الانتخابية مبكرا جدا.
لكن المؤلف يفتح قوسين هنا كي يؤكد أن ذلك التمثيل «الشعبي» كان «وهما» أكثر مما كان يعبر عن حقائق وممارسات قائمة في أرض الواقع. ذلك أن النخب، وعلى رأسها مالكي الأراضي الكبار، وريثة الحقبة الاستعمارية هي التي استمرت واقعيا في امتلاك سلطة القرار السياسي وهي التي احتلّت المناصب «المفصلية».
ويربط مؤلف هذا الكتاب بين النمو الاقتصادي وتزايد صادرات بلدان أميركا اللاتينية ونحو أميركا الشمالية، الولايات المتحدة وكندا، ونحو أوروبا في بدايات القرن العشرين وبين الانفتاح السياسي في البلدان المعنية. ذلك أن النخب أحست، على خلفية الازدهار الاقتصادي والتقدّم، أنها تمتلك «هامشا من الأمان» يسمح لها بزيادة «هامش» الحرية أمام الشرائح الخاضعة لها.
وفي مثل ذلك السياق أعطت أنظمة مثل نظام «بيرون» في الأرجنتين و«فارغاس» في البرازيل و«كاردوناس» في المكسيك حقوقا أكبر للطبقات الشعبية، بحثا عن «شعبية» هؤلاء الرؤساء وتجنبا لحركات الاحتجاج الاجتماعي.
لكن بعيدا عن أية ديمقراطية بالمعنى اللبرالي. وغاب «طيف» الديمقراطية بصورة شبه كاملة من أميركا اللاتينية أثناء الحرب الباردة خوفا من «شبح» الشيوعية. هكذا عرفت بلدان عديدة من أميركا اللاتينية تولّي مجموعات عسكرية للحكم بانقلابات قام بها الجيش وحيث لاقى المعارضون مصيرا قاسيا كان السجن هو صيغته «الأكثر رحمة». ويشير المؤلف إلى أن ذلك كله مورس باسم «الأمن الوطني».
وفي عام 1978 كانت هناك ثلاثة بلدان فقط في أميركا اللاتينية بمنجاة عن الدكتاتورية هي كولومبيا وكوستاريكا وفنزويلا. لكن تحولا ديمقراطيا منذ نهايات الثمانينات أدى إلى الزوال التدريجي للأنظمة الدكتاتورية وعاد العسكر في أغلب الحالات إلى ثكناتهم. وسادت بالوقت نفسه سياسات البحث عن التلاحم الوطني بينما استمرّ أصحاب المصلحة القدامى في «مقاومة» التوجهات الجديدة وتمسّكوا أكثر فأكثر بامتيازاتهم.
وما يؤكده المؤلف في الصفحات الأخيرة للكتاب هو أن الديمقراطية «تتقدّم» في أميركا اللاتينية والمجتمعات تتحوّل. الملفت للانتباه أن كوبا-كاسترو غائبة إلى حد كبير عن هذا الكتاب.
الكتاب: في ظل الدكتاتوريات الديمقراطية في أميركا اللاتينية
تأليف: الان روكييه
الناشر: البان ميشيل باريس 2010
الصفحات: 380 صفحة
القطع : المتوسط
A l'o.mbre des dictatures
Alain Rouquié
Albinmichel-Paris 2010
380p.
