ضح المؤلف أن صفد، وأثناء حكم الظاهر بيبرس، تحولت إلى مركز لنيابة مملوكية واسعة، وكان يحدها من الغرب البحر المتوسط، ومن الشمال حوض نهر الزهراني، ومن الشرق طرف مرجعيون امتداداً حتى نهر الحاصباني، ثم مجرى نهر الأردن حتى جسر الصنبرة، كما امتدت جنوباً حتى مرج ابن عامر.
ويتناول الكتاب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في صفد، إذ كان يسيطر على مماليك بلاد الشام في تلك الفترة «الإقطاع العسكري والديني»، حيث سيطر المماليك وأمراؤهم ومساعدوهم على معظم الأراضي الصالحة للزراعة، وفرضوا على الفلاحين تقديم نسب عالية من المحصول. أما رجال الدين فكانوا يحصلوا على حصتهم عن طريق الأوقاف. ويبين المؤلف أن السلطة في صفد ومعظم ممالك بلاد الشام، كانت تعني بالدرجة الأولى ملكية الأرض، ولذلك فقد جهدت تلك السلطات بإنشاء السدود والقنوات واستصلاح الأراضي، لأن إيراداتها ستصب في النهاية في جيوب الحكام. وقد اشتهرت صفد بزراعة القمح من أجل الخبز، والشعير لتقديمه كعلف للحيوانات، وقصب السكر لتصديره إلى دمشق، والحشيشة لبيعها كمادة مخدرة.
ويحدثنا المؤلف عن الموقع الجغرافي المميز لصفد، فهي تقع وسط بلاد الشام، كما أنها تقع بين دمشق ومصر، الأمر الذي جعلها مركزاً تجارياً هاماً، وقد جعلت التجارة من صفد مدينة كبيرة ذات مرافق وعمران كبيرين. كما رافق هذا التوسع نشوء المعاهد الدينية وعدد كبير من الصناعات، كالنسيج ومختلف المواد الاستهلاكية.
ويقدم الكتاب شرحاً وافياً للحياة الإدارية والمالية والعسكرية في صفد، ذلك أن نيابة صفد تعد أول نيابة أنشئت في فلسطين لتأدية أغراض أمنية وعسكرية. ولذلك أقيمت فيها جميع الوظائف التي عرفتها الإدارات المملوكية في النيابات، حيث كان هيكلها الإداري يشبه من هذه النواحي ما هو موجود في دمشق وحلب وطرابلس.
ويتوقف الحسيني العثماني في كتابه مطولاً عند ولاة نيابة صفد، لافتا إلى أنه كان أول والٍ لها هو الأمير عز الدين أيبك العلائي، في سنة 1266 م.
أما ثانيهم فهو الأمير علاء الدين الألدكزي، حيث كبرت صفد في عهده وكثرت فيها الحمامات. ويحدثنا المؤلف عن كثرة الولاة في صفد، حيث بلغوا 127 والياً، خلال قرنين ونصف القرن من الزمان.
ويفسر المؤلف كثرة الولاة في صفد إلى أنها تعود إلى ما شهدته السلطنة المملوكية من اضطراب مستمر وعدم استقرار، فأمور العزل والتعيين لم ترتبط بالكفاءة والعجز بقدر ما ارتبطت بالتخلص من بعض المعارضين أو بعض من هم غير مرغوب بهم أو بمكافأة الموالين الصادقين، أو استرضاء بعض المشكوك في ولائهم.
ويحتوي الكتاب على ترجمة موسعة لحياة الظاهر بيبرس، من وجهة نظر عدد كبير من المؤرخين، الأمر الذي يوفر إمكانية المقارنة واكتشاف العناصر الذاتية في التاريخ لتلك الفترة. ولذلك نجد شرحا ومقارنة موسعة لصفاته وسيرته وفتوحاته وتاريخه، بالإضافة إلى الصدى الذي تركه بعد وفاته، والأشعار التي رُثي بها. ويقدم لنا الكتاب فصلاً كاملاً للحديث عن أعيان صفد في تلك الفترة. ويتعرض المؤلف لأرباب الوظائف الدينية في صفد، فهناك القضاة والخطباء ووكلاء بيت المال.
ويؤكد المؤلف أن القضاء في مماليك بلاد الشام لعب دوراً كبيراً في حل المشاكل والخلافات بين المسلمين ونظم معاملاتهم.
أما الخطباء فكانت مهنتهم تقتصر على التدريس الديني وإقامة الشعائر الدينية، كما ينظم وكلاء بيت المال صرف الأموال بما يحقق الشريعة الإسلامية.
ولا بد في النهاية من التنويه إلى أن هذا الكتاب وثيقة تاريخية هامة لما يحتويه من صور قديمة، ووثائق تاريخية أصلية وجداول تاريخية ونصوص ورسائل نادرة.
الكتاب: تاريخ صفد
تأليف: محمد بن عبد الرحمن الحسين العثماني
تحقيق: د. سهيل زكار
الناشر: دار التكوين دمشق 2009
الصفحات: 280 صفحة
القطع: الكبير
رشيد الحاج صالح

