يتناول كتاب «الأسس الفلسفية للعولمة»، لمؤلفه د.عصام عبدالله، والصادر عن المجلة العربية ـ 2009م، الأسس الفلسفية للعولمة في ضوء علم تاريخ الأفكار ومناهجه، هذا العلم الذي يركز على العالم الباطني للأفكار والمفاهيم الجوفية، والتي تحظى بالانتشار على نطاق واسع.

ويبين المؤلف في محاور نقاش كتابه أن تاريخ الأفكار موضوع يدعو إلى النظر والبحث في ذاته، حيث يمكن القول إنه يحتل الحد الفاصل بين التاريخ والفلسفة، ويشارك في غاية الاثنين معا، فتاريخ الأفكار يهتم بالأصل التاريخي وصحة الأفكار، وهو معني كثيرا بالحقيقة، وليس معنيا فقط ب«لماذا»، فمن أولى مهامه أن يستشف الأساليب المتغيرة في الأفكار، وأن يفسر الأفكار بالرجوع إلى سياقها التاريخي، وهو كذلك معني بهذه الأفكار في ذاتها من حيث قيمتها وأهميتها وتاريخها أيضا. وطبقا لذلك يعد تاريخ الأفكار «أفضل وسيلة لدراسة التغير النسبي المشروط معا، بل وأبرز ما يتغير وسط الغير».

ويؤكد عبد الله في سياق بحثه الاستنتاجي المنهجي أن تاريخ المعرفة لا ينفصل عن المعرفة نفسها، ويشير تاريخ المعرفة إلى أن الحقول المتخصصة من المعرفة، أو فروع العلم المختلفة، لم تكن متمايزة، كما هو الحال اليوم، إذ كانت أغصانا في شجرة الفلسفة، وظلت الفلسفة والعلم ( المعرفة ) مفهومين متداخلين لفترة طويلة، وعندما تمايزت الحقول المعرفية عن الفلسفة، بقي لكل علم منها بعد فلسفي يتعلق بطبيعة العلم وبمنهجه وأساليب التحليل النقدي للمعرفة الخاصة به، مثل ما بقي لكل علم منها بعد تاريخي يتعلق ببدء المعرفة المتخصصة وجذورها ونشأتها وتطورها.

ويتطرق المؤلف إلى موضوع الأزمة الراهنة التي تمر بها «الدولة» والمفاهيم المتعلقة بها، مثل «السيادة»، فهي ـ حسب وجهة نظره ـ ترد إلى «العولمة الإعلامية» أيضا، والتي تؤدي دورا قارضا لا يقل فاعلية، وذلك طبقا لوصف إحدى الصحف الهندية، فهي، وكما بينت الصحيفة المشار إليها، كالنمل الأبيض، تقرض مؤسساتنا وقيمنا وعاداتنا.

وينتقل عبد الله ليوضح أن هنالك تنافسا مع الدولة يقوم به الأفراد والمؤسسات والحركات والناشطون غير الحكوميين، فيتنافسون في الهيمنة على الموضوعات الساخنة، ويتسابقون في إبرازها أمام العالم عبر وسائل الإعلام والاتصال.

كما أن الشركات متعدية القوميات هي أفضل من يعبر عن العولمة اقتصاديا، إذ إنها لا ترتبط بالبلد الأم أو المنشأ، بل نراها تنقل مقرها الأساسي ببساطة للخارج، حيث الضرائب اقل والخدمات أفضل، ومن ثم فهي شركات ذات طبيعة طفيلية بالنسبة للدول، ولا تنتمي الواحدة منها إلى الأخرى إيديولوجيا، والعولمة تتطلب من المشروعات أن تتلون كالحرباء، أن تكون أميركية في الولايات المتحدة ويابانية في اليابان وفرنسية في فرنسا.

ويشير المؤلف إلى أن الثقافة ليست بالضرورة أن تكون عاملا للسلام بين الشعوب، وإنما قد تكون سببا في الحروب والصراعات في العالم، كما أن التعددية الثقافية قد تدمر العالم أو تكون سببا في ثرائه وغناه.

ويحرص عبدالله في مضمون عرضه ودراسته الوافية في هذا الكتاب، على تأكيد حقيقة مهمة وحيوية، وهي أن مفهوم العولمة قد انتقل من الفلسفة إلى السياسة ومن الاقتصاد إلى الجغرافيا والإعلام، فضلا عن العلوم والمعارف المختلفة، فأثر بعمق ولا يزال، في سائر المجتمعات والثقافات.

الكتاب: الأسس الفلسفية للعولمة

تأليف د. عصام عبد الله

الناشر: المجلة العربية 2009

الصفحات: 156 صفحة

القطع: الكبير

حواس محمود