ضمن إصدارات هيئة أبوظبي للثقافة والتراث صدر كتاب «جميلة»، الذي يحمل بين طياته خمس مسرحيات للمؤلف والمخرج جمال مطر، ويوثق هذا الكتاب تجربة كتابية لواحد من المسرحيين الإماراتيين الذين يعدون من جيل الخريجين الذين تخصصوا في مجال المسرح ، فجمال مطر، إضافة إلى كونه إعلاميا واحد من المؤثرين في الساحة المسرحية المحلية، عبر جملة من التجارب المسرحية التي ترسخت في العقدين الماضيين.

حينما قدم جمال مطر مسرحيته «جميلة» في العام 1993، في منطقة الخان ذات البيوت الأثرية، وعلى ساحل البحر وفي طقس صيفي حار وفي الهواء الطلق، كثيرون من الذين كانوا قريبين منه، استغربوا هذه المغامرة، مع جمهور يظن أن الحضور إلى المسرح ومتابعته،هو في القاعات الباردة، فكيف بمسرح تم بناؤه من سعف النخيل وفي منطقة مهجورة في طرف المدينة؟ لامه كثير من المسرحيين القريبين منه، وربما بعض الممثلين الذين تململوا من رغبة مخرجهم الذي سيقودهم إلى منطقة مجهولة. لكن ما حدث بعد ذلك، وبعد أيام من العروض، جعلهم يعيدون حساباتهم، فقد شهد عرض جميلة على الشاطئ المهجور، حضورا جماهيريا لافتا وحضورا نوعيا، بل تواصلت العروض وتعدت أيام الأسبوع الأول، وذهب الجمهور الذي كان يحجم عن حضور الأعمال المسرحية في القاعات المجهزة والباردة، إلى مسرح مقام على ساحة رملية قبالة الشاطئ.

كانت الجنية التي تأتي من الظلمة، والمجنون الذي يسبح قادما من عمق البحر،اختراقا مختلفا وغير مألوف بالنسبة للمشاهد، في الوقت الذي وفرت فيه بيئة مشهديات مسرحية جميلة، وحواراتها المحلية الضاربة في ثقافة المكان،وفرا فرجة مغرية ودافعة للفضول جذبت إليها المزيد من الحضور، فكان بعض أفراد الجمهور يحضرون أكثر من عرض. ثقافة المكان هاجسه المسرحي كتب جمال مطر مسرحيته «جميلة» كبداية لأعماله المسرحية، وأخرجها معتمدا على مساحات ارتجال من ممثليه، تلك المساحات التي دفعهم إليها مغامرا، وكذلك كتبت الصحافة والنقاد كثيرا بعد ذلك عن هذا العرض، فقد تم تناول التجربة من أطرافها المتعددة.

وأول ما كان يثير شهية النقد هي الحبكة والشخوص والدلالات التي اتكأ عليها جمال مطر، لكي يقدم مسرحيته التي أراد أن يقول من ورائها أشياء كثيرة لصالح ثقافة المكان، كان ناقدا صريحا لتلك السلطوية التي يمنحها بعض الأشخاص في الطبقات الاجتماعية لأنفسهم لكي يرضوا غرورهم، فجميلة فتاة «جميلة» .

وجدت نفسها حبيسة الفكر الطبقي الذي يسيطر على أبيها، وبالتالي أصبحت رهن صفقات المصالحة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا، فهذا النوخذا الذي يمتلك قوة البحارة ويتحكم بها، وبالتالي تحكمه في مصائرهم، سيضع حدا لجمال ابنته وأقاويل الناس حولها، فيشترط مهرها حبل «البوم»، نوع من أنواع السفن، فمن يأت به سوف يتزوج هذه الفتاة، وهذا البوم مسكون بجنية مخيفة تسحر كل من يقترب منها.

تعرية وسخرية

وفي مسرحية « قبر الولي» يخوض جمال مطر مغامرة كتابية ثانية، أيضا لم يسلم من سهام نقادها، ومن الهمس والغمز واللمز، بل وصل الأمر إلى إصدار قرار بوقف عروضها بعد أن قدمها في إحدى دورات أيام الشارقة المسرحية في العام 1994، حينما قرأ البعض العرض قراءة ضيقة، ففي هذه المسرحية يذهب جمال مطر إلى تعرية سذاجة الناس حين يؤمنون ببعض الخرافات دون تفكير، انه يسخر من الجهل.

ويضحك أمام شخصية «يوعان»، هذا الرجل البريء الذي مات حماره في بقعة من الأرض، وراح يبكيه بعد أن دفنه، لكنه تفاجأ بأن الجهل قد قاد الناس إلى تقديس هذا المدفن، باعتباره يجلب البركات، وحين وجد يوعان أن سذاجة الناس تدر عليه أموالا مجزية، كتم الكذبة وترك لنفسه استغلال سذاجة الناس وهي تدر عليه الخير، لكنه في النهاية يحاول أن يفهمهم الخطأ لكنهم لن يصدقوه.

إحالات مباشرة:عنتر وعبلة

وبعدها كتب جمال مطر مسرحية «عنتر وعبلة» وللمرة الثالثة، يعرض جمال مطر نفسه للانتقادات الحادة قبل بداية عرضه، فهذه المرة ذهب إلى قصة «عنترة» في التاريخ وجاء بها كما هي بشخوصها المعروفة والمعروضة، وبمعالجاتها المعتادة، استحضر شعر عنتره ومأساة حبه بعبلة وجاء بشيبوب وعماره ومالك، ويومها واجه جمال مطر سؤالا اعتياديا:

لماذا تجلب هذه القصة المعروفة وتقدمها على المسرح دون إضافة أو نقصان؟ لماذا عنتره ولماذا الآن؟ وما الدلالات والإشارات التي تريدها من هذا الاختيار؟ ألا يمكن الانفتاح على ترميز اكبر وأنت تجلب عنتره من التاريخ إلى الواقع الحاضر؟

ألا تستفيد من هذا الرمز لكي تدين الواقع؟ كانت أسئلة من هذا النوع تتقاذف في طريق جمال مطر، وأثناء تدريباته مع ممثليه، لكنه يضحك تارة ويبتسم تارة أخرى، ويشير بهدوء إلى أن العرض لا يحتمل كل هذا التأويل، وان مجرد فرقة محلية في الإمارات تقدم قصة «عنترة» كما هي وعلى ما هي عليه. فهذا يكفي، والقيمة ستكون في أن المسرح الإماراتي قد مر في تاريخه انه قدم قصة «عنتر وعبلة»، وفقط.

هذه المغامرة حينما عرضت أيضا على جمهور أيام الشارقة المسرحية، استطاعت أن تحقق فرجة عالية، ونجح جمال مطر في أن يضع عنتر وعبلة على خشبة المسرح الإماراتي، معتمدا على ممثل يعد نجم الكوميديا بلا منازع: الفنان جابر نغموش.

وفي هذا العرض وفي هذه القصة التي لم يحورها مطر لصالح الواقع الحالي، كانت الإحالات والدلالات والإشارات تتناثر لوحدها في المكان، دون عناء، فرمز عنتره سيبقى دلالة على البطل العربي، وانكسار حبه والخذلان الذي يتعرض له هو نفسه، الخذلان الذي يتعرض له أي بطل عربي يحاول الخروج على القبيلة لكي يعيد رسم الواقع، أو يثور على انكساراته وهزائمه.

وكأن جمال مطر قال ما يريد دون أن يحتاج إلى تأليف نص جديد، أو أن يدفع بمزيد من الإحالات والإشارات، ترك القصة التي يعرفها الناس وتوارثوها، لتفعل بسحرها ما تفعل فيهم، من مجرد الالتقاء بها على خشبة المسرح. هكذا بطريقة مباشرة كان اختيار جمال مطر ذكيا ولماحا بعناء بسيط جدا.

محاكمة الواقع

في مسرحية المونودراما «اصبر على مجنونك»، والتي يدخل فيها جمال مطر إلى هذا النوع من الكتابة المسرحية، نراه يسخر من واقع التغير والتبدلات التي حدثت في مجتمع يتعرض قدريا إلى نقلات سريعة تجعله في حال مقاربة شرسة بين واقعه القديم الذي برحه للتو، وواقعه الجديد، فهو لا يفيق إلا على تغير.. «يابر»،وهي شخصية مطرب من النوع القديم يريد الوصول والظهور في زمن تبدلت منطقياته بالنسبة له، فيحدث أمه الغائبة عنه، ويطلب منها أن تتحدث معه، أن تسمعه صوتها، أن تجيبه على مئات الأسئلة التي تعصف في رأسه، يتحدث يابر وحيدا وليس معه إلا سرير وسلم مقلوب..

وفي خلفية المسرح هناك صورة للعبة المعروفة والشهيرة «السلم والثعبان».. يثرثر يابر عن ولادته والضربة التي تلقاها على رأسه حين سقط ومحاولات علاجه منها، ثم يدخل «يابر» في فواصل من الحديث ليؤشر إلى مواطئ خلل في ثقافة الواقع، ومقارنتها بالثقافة الأصيلة التي ارتبطت به وبالمكان، وكأن جمال مطر هنا يريد أن يحاكم هذا الواقع الذي يراه انتقص كثيرا من مثليات وقيم الواقع المنصرم.

تتصدر كتاب «جميلة» أول مسرحية كتبها جمال مطر في العام 1988،وهي تحمل عنوان «قدري غاب عني ورحل»، وبالرغم من أن الكتاب يصدر لها بأنها محاولة الكاتب الأولى، دون تحويرات أو تعديلات، إلا أنها محاولة في مسرح اللامعقول والعبث، وهي تتناول لقاء قدري بين ماسح أحذية وحارس، الأول يبحث عن مسمار صغير يصلح به، حذاء مدير البنك، والأخر يجد في هذا المطلب فرصة لتحسين أحواله.

في هذا المناخ العبثي يذهب جمال مطر إلى سخرية أخرى، يحاول أن يعري بها أوجاع الطبقة الدنيا في المجتمع بتأثير مطالب الطبقة العليا. ففي «ديالوغ» البداية تنكشف بعض الخطوط الأساسية في مقولة هذا النص، الذي يعد الأول لمؤلفنا...

الحارس: أنا يوميا احرس، من فضلك من أنت؟

ماسح الأحذية: أنا يا صديقي ماسح أحذية متجول، يتجول كثيرا ليعرف من هو..أحيانا يبحث عن مأوى، عن مارة، عن ثقب يحلبه، ولم أجد أجمل من هذا الثقب «يشير إلى الكرسي»، أنا يا صديقي إنسان طيب وجميل.

وفي حوار الحارس نقرأ: عندما اجلس وحدي بالليل اشعر أني أتخاطب مع نفسي، ومع قدوم النهار اصمت، حرمت من النهار وأنا اعرف كم هو سيء، حتى أني فقدت ظلي، وإذا مر علي لن اعرفه.

بهذه المنطلقات يجر جمال سالم شخصيتاه إلى مناخات الليل الطويل الذي يجمعهما، لتتكشف على اثر ذلك الكثير من التفاصيل الفلسفية التي يحملانها بغية الكشف أيضا عن أحوال المهمشين، ووجهة نظرهم تجاه من يعيشون فوق رؤوسهم.

مرعي الحليان