ينتمي عدد كبير من الشخصيات العالمية الشهيرة والمؤثرة بين الناس، وعلى مدى العصور، إلى عالم أدب الخيال. فمن منا لا يعرف أو لم يسمع بشرلوك هولمز أو سوبرمان أو دراكولا أو آنا كارنينا وشهرزاد وسي السيد وجحا وحنظلة ودون كيخوتة. وقد اشتهرت هذه الشخصيات وغيرها إما بدافع كونها مرآة لمجتمعها أو للتغييرات التي طرأت عليه، أو لكونها تلخص نموذجاً من البشر.
اشتهر، في هذا الإطار، ضمن مجال عالم الأدب والخيال، مجموعة كبيرة من الشخصيات التي تنتمي إلى مختلف حقول الأدب والفن، سواء في حقل الأدب البوليسي أو الرعب أو التراجيديا أو الرومانسية أو الأدب الاجتماعي، إلى جانب التاريخي والساخر. الأدب البوليسي تعتبر شخصية شرلوك هولمز من أشهر الشخصيات في الأدب البوليسي، وابتكرها الكاتب الاسكتلندي والفيزيائي، سير آرثر كونان دويل عام 1887. واشتهر هولمز التحري المستشار، بذكائه وقوة ملاحظته ومعرفته بنفوس البشر وخبرته في الطب الشرعي وبراعته في التنكر وشجاعته الموضوعية، كما اشتهر بذلك صديقه المقرب الدكتور واطسن.
كتب دويل أربع روايات و56 قصة قصيرة عن هولمز، لتغطي المرحلة الزمنية ما بين 1880 و1914. وأوضح دويل أن من ألهمه لابتكار هذه الشخصية هو مديره في العمل، الدكتور جوزيف بيل، الذي كان مثل شرلوك يقدم استنتاجات عديدة من أدق ملاحظة.
ويصف واطسن عادات هولمز وسلوكه بقوله: «إنه شخصية حرة وغريبة الأطوار، دون مراعاة للعادات والمقاييس المعاصرة السائدة، والكبرياء عنده يبرز بين الحين والآخر بصورة مبررة، فهو يتمتع بحيرة مفتشي الشرطة وتفوقه عليهم، وإن كان يترك لهم رصيد الشهرة في النهاية. كما يسعده الإشادة بمهاراته والإطراء مثل فتاة جميلة».
آغاثا كريستي
وفي هذا السياق أيضا، اشتهرت أيضاً شخصية اللص الظريف أرسين لوبين، الإنسان النبيل الذي كان يسرق من الأغنياء ليساعد الفقراء. وقد ابتكر الشخصية الكاتب الفرنسي موريس لوبلان عام 1905، عبر مجموعة قصصه القصيرة بداية، ثم المسلسلة، فالروايات لاحقاً. وعمل لوبلان على أن يلتقي لوبين بشرلوك هولمز عام 1906، لكن اعتراض دويل دفع لوبلان إلى تعديل اسمه إلى هرلوك شولمز.
ولا ننسى في هذا الصدد،شخصية التحري البلجيكي الشهيرة هيركيل بوارو المتأنق دائما، للكاتبة البريطانية آغاثا كريستي وظهر في 33 رواية و51 قصة قصيرة، خلال الفترة من 1920 إلى 1975، وكذلك التحرية الهاوية الآنسة ماربل المتقدمة في السن، وكان أول ظهور لها في قصة نشرت في مجلة رويال البريطانية عام 1927، وتتميز بتواضعها وبساطتها التي تخفي ذكاءها الحاد الذي يفاجئ الجميع عندما تحل لغز الجريمة.
في أدب الرعب
أشهر الشخصيات في هذا الصدد شخصية (الكونت دراكولا) للروائي الايرلندي برام ستوكر (1847 ؟ 1912)، وقد ابتكر هذه الشخصية عام 1897 لتعيش خلودها، سواء من خلال مص دماء الآخرين أو في القصص والأفلام على مدى العصور.
وكان دراكولا قبل تحوله إلى مصاص دماء، كونتاً أرستقراطيا يعيش في قلعته المتداعية «بترانسلفانيا»، وما يعرف عن ماضيه أنه درس السحر الأسود في أكاديمية، وبات خبيرا في الكيمياء والسحر. وكانت ضحاياه تتحول إلى أتباع له بعد مصه لدمائها.
وكذا شخصية الدكتور جيكل وهايد، التي ابتكرها عام 1886 الروائي الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون (1850 ؟ 1894)، وترمز هذه الشخصية إلى ازدواجية الإنسان وجمعه بين المتناقضات كالخير والشر، وأقصى العنف إلى جانب العذوبة والوداعة.
واستخدم اسم هذه الشخصية في وصف نموذج من الحالات في الطب النفسي وعلم الاجتماع. والشخصية الأصلية هي دكتور جيكل الذي كان يعمل على بحوث مخبرية، ليأخذ جرعة من تركيبة بحثه، ويتحول إلى غريزة أعماقه الدفينة ويصبح هايد.
في الأدب التراجيدي
تبرز على صعيد هذا الجنس الأدبي، شخصية ليو تولستوي (1828 ؟ 1910) الروائية أنا كارنينا، التي ابتكرها عام 1877، والتي مثلت المرأة التي تحاول العيش بقناعاتها الداخلية، مدفوعة بمصداقية مشاعرها الداخلية، والتضحية بكل ما لديها، تلبية لهتاف الحب الذي خذلها في صورة المجتمع المزيف، الذي نبذها لخرقها نواميس عاداته وتقاليدها المبنية على الظاهر.
ونموذج آخر هو شخصية غادة الكاميليا التي ألفها الروائي الفرنسي ألكسندر دوماس الابن (1824 - 1895)، والتي ابتكرها عام 1848. وترمز شخصيتها التي تحمل اسم مارغريت غوتييه، إلى تضحية الإنسان بحبه لأجل حماية مستقبل الحبيب.
وقد كانت مارغريت محظية باريس الحسناء، التي كان يتهافت جميع الرجال لكسب رضاها، وحين ما تقع في غرام شاب أرستقراطي يطلب منها والده التضحية بحبها لأجل مستقبل الحبيب، ولا يعرف الأخير بتضحيتها إلا بعد وفاتها متأثرة بمرض السل، ومن شخصيتها استوحيت أفلام ومسرحيات منها: (الطاحونة الحمراء) و(السيدة الجميلة).
ولا ننسى في هذا الإطار روميو وجولييت للكاتب البريطاني وليم شكسبير (1564 ؟ 1616)، وترمز إلى الحب بلا أمل أو الموت في سبيل الحب، وشخصية هيثكليف في رواية «مرتفعات ويذرنيخ» لإميلي برونتي (1818 ؟ 1848)، التي ترمز إلى الشخصية التي عاشت الاضطهاد والذل في الطفولة، لتنشد الانتقام في الكبر من المحيط أولاً، ومن نفسها ثانياً.
في الأدب الاجتماعي والفكري
تأتي في المرتبة الأولى على الصعيد العالم العربي شخصية (سي السيد)، أو السيد أحمد عبد الجواد، التي برزت في ثلاثية الروائي المصري نجيب محفوظ (1911 ؟ 2006) الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1988. برزت شخصية سي السيد من الثلاثية الروائية (بين القصرين) عام 1956، و(قصر الشوق) 1957، و(السكرية) 1957، التي تجسد الشخصية الإيجابية من الظاهر، تبعا لرؤية المجتمع، والسلبية من الداخل.
إلى جانب تعامله مع المحيط بوجهين متناقضين، فمع العالم الخارجي تجده مرحاً وبشوشا، وفي عالم أسرته متجهماً ومكفهر الوجه، بعكس زنوبة التي كانت تعمل عند العالمة، وهي السلبية عند المجتمع والإيجابية من الداخل، كما أنها نموذج للذي يعيش قلبه في ثورة وعذابات، وعقله في حيرة لم تنته بعد.
ومن الشخصية الأخلاقية إلى الفكرية، مع الراهب هيبا بطل رواية (عزازيل) للكاتب المصري يوسف زيدان الذي فاز بجائزة بوكر العربية عام 2008.
وقد اشتهرت شخصية هيبا بين المثقفين العرب، وترمز إلى الإنسان المفكر الذي يرفض الانصياع للمسلمات دون تفكير وبحث عن أجوبة موضوعية، ورفض إلغاء إنسانيته بالانقياد إلى أي من التيارات. وكذلك الأمر مع شخصية زيدان الأخرى في عزازيل، وهي العالمة والفيلسوفة هيباتيا، التي تقتل ضحية للتعصب والتطرف والجهل، والتي تسمى الراهب نفسه باسمها بعدما شهد مقتلها.
وفي أدب الغرب اشتهرت شخصية (سكرودج) للروائي البريطاني شارلز ديكنز (1812 ؟ 1870)، التي تمثل الرجل البخيل والجشع والمتحجر القلب والمكروه من قبل الجميع. وقد ظهرت تلك الشخصية عام 1843 في رواية (كورس عيد الميلاد)، وحولت إلى أفلام وأوبريت ومسرحيات، أسوة بغيرها من الشخصيات الأدبية الخالدة.
في الأدب الساخر
نجد في الأدب العربي في هذا الإطار، العديد من الشخصيات التي استقطبت شعبية واسعة على مدى العصور، منها جحا وأبو القاسم الطنبوري، إلى جانب الشخصية الكاريكاتورية حنظلة، والعديد غيرها.
عرفت شخصية جحا في الثقافات القديمة، ونسبت إلى شخصيات عديدة عاشت في عصور ومجتمعات مختلفة. وفي الأدب العربي، نسب حجا إلى أبو الغصن دُجين الفزاري الذي عاصر الدولة الأموية. وهو أقدم شخصيات جحا والنكات العربية تنسب له. وفي الأدب التركي، نسبت قصص جحا إلى الشيخ نصر الدين خوجه الرومي الذي عاش في قونية، معاصرا الحكم المغولي لبلاد الأناضول، ومعظم القصص المعروفة في الأدب العالمي تنسب إليه.
أما أبو القاسم الطنبوري فهو شخصية من تراث العصر العباسي ونسبت لتاجر من بغداد، واتسمت بالبخل رغم غناها، وقد ابتدع القصاصون حولها حكايات وطرائف عديدة، أشهرها المتعلق بحذائه، وتذكر شخصيته عندما يصعب التخلص من أمر عسير أو مشؤوم، وتعتبر من تراث العصر العباسي.
رشا المالح

