أقام متحف الحياة الرومانسية التابع لمدينة باريس، مؤخرا، معرضا لتكريم الكاتب الفرنسي الكبير اندريه مالرو(1901 ـ 1976) معتبراً إياه آخر الرومانسيين، وشاءت الصدف أن يكون مكان التكريم في بيت يعود تاريخ بنائه إلى عام 1830، كان مالرو ينظم فيه الاجتماعات الأدبية، إذ إنه قرر خلال الفترة التي كان يشغل فيها منصب وزير الثقافة، أن يصبح هذا المنزل ذاكرة للتاريخ، باعتباره ينتمي إلى التراث الوطني الفرنسي. وفي عام 1983 تم تدشين هذا المكان كمتحف للحياة الرومانسية، بحيث يكون تابعا لبلدية باريس.
اتخذ مالرو من باريس، وهو في عمر التاسعة عشرة، مكانا هاما لعقد النقاشات والمجادلات. وقد كان يتردد على هذا المكان، والذي أصبح متحفا في الوقت الحاضر لكبار الفنانين والكتاب، أمثال: دو لاكروا وجورج صاند وشوبان وديكنز وتورغنيف وروسيني. وكذلك نوييمي، ابنة الفيلسوف الشهير أرنست رينان. وكان هذا المكان ملجأ لعائلة الفنانين. وتم تزيينه بالأجواء الرومانسية من أجل إضفاء الجو والتذكير بالمكان وفترة الرومانسية. ولهذا عمدت إدارة المتحف لعمل جولات تتتبع فيها خطى آثار الكتاب والفنانين الذين ترددوا على هذا المكان، كجورج صاند وبولين فياردو وفكتور هيغو وشوبان وديلكروا وجيريكو وبلزاك وموبسان. وهذه الجولة الفنية تعطي لمحة عن أصول العمارة التي شيد فيها المتحف والصالونات الأدبية ومشاغل الفنانين وغيرها، منذ عام 1830.
قصة مرحلة فنيا قابل الراحل مالرو المبدع ماكس جاكوب، أحد أهم الوجوه الطليعية في الأدب والفن، والذي قام بدوره بتقديمه في الحلقة الأدبية والفنية الباريسية. وبعد ذلك بفترة قصيرة، قام دانييل ـ هنري كاهنويلر بنشر المخطوطة الأولى لأندريه مالرو بعنوان (أقمار من ورق)، مزينة برسومات المبدع المعروف فيرناند ليغير. وسرعان ما ارتبط الأديب الشاب مالرو مع عدد من أدباء تلك الفترة البارزين، وفي مقدمهم: أندريه جيد وجان بولهان وباسكال بيا وبيير دريو لاروشيل...، وأخذ يدافع عن الأدباء حتى وإن اختلفوا مع آرائه وأفكاره.
ومن أجل إنجاز هذا المعرض، جمع متحف الحياة الرومانسية في مشغليه عددا من أعمال الفنانين الذين عملوا وأبدعوا في فترة ما بين الحربين في باريس، ومنهم: شاغال وأندريه ماسون وجان فوترييه، حيث مالرو معهم علاقات صداقة، بالإضافة إلى جورج براك وبابلو بيكاسو، وفي ما بعد أقام صلات مع البيرتو جياكوميتي وبالتوس وجان دوبوفيه ولي كوربيزار. وهناك أيضا أعمال من توقيع اندريه ديريان وجورج روولو ودوانييه روسو وجيمس اينسور.
الوزير المثقف
عقب الحرب العالمية الثانية، بعد نشر كتاب أندريه مالرو (المتحف المتخيل)، قام هذا الكاتب والوزير (مالرو) باقتراح أعمال عالمية على شارل ديغول، طالبا من الفنانين المشاهير تنفيذها، وهي تلك التي تبقى بالتالي نقاطا مضيئة في التراث الوطني الفرنسي، بل وتشكل أهم معالم باريس في الوقت الحاضر، مثل الرسومات التي تم تنفيذها على جدران وسقوف مسرح «أوديون الوطني»، وقام مارك شاغال برسم سقف أوبرا باريس ومتحف الرسالة الإنجيلية في مدينة نيس الجنوبية.
وجورج باراك قام برسم جامعة (جيسيو)، وكذلك فسح المجال أمام الفنانين الكبار بمنح أعمالهم إلى المؤسسات العامة. على أية حال، فان العديد من أصدقائه الرسامين كانوا يضعون الخطوط والرسومات لنصوصه.ورافق هذا المعرض في حينه، كتالوج من مطبوعات متاحف باريس قام بتأليفه سولانج تيري وجيل بيغوين، مع عدد من الكتاب الآخرين.
وحول انطباعاته وآرائه في شخصية مالرو، يقول سولانج تيري: (يتميز مالرو بحساسيته إزاء الآني على أعقاب الحرب الثانية، هذه الفترة الحرجة من تاريخ العالم برمته، وقد استوعب تماما شعراء الحداثة، أمثال غيوم أبولونير وماكس جاكوب وبليس شاندرا، كان يزور مشاغلهم الفنية ويزور معارضهم ويقتني لوحاتهم، وابرزهم ديريان وفلامنسك وبراك وبيكاسو، ومن ثم اكتشف شاغال في أول معرض شامل أقيم له في العاصمة باريس.
كما اكتشف الانطباعيين. وكان مالرو مرتبطا أشد الارتباط بحرية الفنان وقدرته على التعبير وقوة إبداعه، ولعل قوله التالي يعبر عن هذه الحقيقة : «أنني أكتب الروايات لكني لست روائيا، فقد عشت في الفن منذ سنوات مراهقتي».).
ناشر الفن
كان هم مالرو الوحيد، نشر الفن الحديث بين صفوف الجمهور وتقريب هذا الفن من مفاهيمه وحياته اليومية، لأن هذا الفن يعبر عن تفسيرات جديد للحياة، ومنها الميتافيزيقية.
ولعله أراد بتأسيه «المتحف المتخيل»، أن يعرف الجمهور بصورة أقرب إلى الفن العالمي الحديث. ويعود الفضل إلى مالرو في ربط فنون آسيا بالمفاهيم الجمالية للإنسان المثقف. وعلى الخصوص فنون الهند وكمبوديا والصين ورسومات الشرق الأقصى، تلك التي كانت تعالج السير المتخصصة أو الخطيئة الأصلية.
فهذه الفنون التي كانت تشارك في بناء التراث التشكيلي للبشرية، وتمكن مالرو أن يطرح هذا المفهوم منذ عام 1947 في الجزء الأول من كتابه (مقالة حول سيكولوجيا الفن). وقد طور هذا المفهوم في كتبه اللاحقة، وتحديدا معالجة المفاهيم المتعلقة في صميم التعارض بين الشرق والغرب في مسيرته الجمالية.هكذا حافظ مالرو على علاقات طيبة مع الوسط الاستشراقي، من خلال تخصصه في نشر سلسلة كتبه (أصوات الصمت)، في عام 1952.
إن ما يميز مالرو حقا هو توزعه بين فنون متعددة لدرجة كاد أن يخلط بينها، ولكن ثمة عنصر شاخص لديه على الدوام، وهو حضور البطل، إذ إنه يباعد بين العصور ويمحو ما بين الأزمان، ويخلق وشائج غامضة.
نصير الشرق
أبدى النقاد رأيهم في مالرو بإعجاب كبير، مؤكدين على شخصيته الفذة، وأبرز ما طرحوه حوله:(إن مالرو يوجد في جميع منعطفات العصر). وقد كتب عنه غايتان بيكون: (إن مالرو بالغريزة يأتلف مع الإيقاع اللاهث للتاريخ الحديث). واللافت أنه كان تنبأ بخراب أوروبا وبالوزن الجديد للشرق، فذهب يبحث في الشرق عن مستقبل العالم.
ولعل أهمية مالرو وارتباط أعماله وفكره بالحداثة، تتجسد في طرحه للسؤال الجوهري: ما هو الإنسان؟ وهل يستطيع الفن أن يلبي حاجته للمطلق؟ وهنا، كما جاء على لسان بعض شخصياته، أجاب: (الإنسان هو ما يفعله). كانت هذه الشخصية ترد على أخرى قائلة:(ما هو الإنسان؟ إنه كومة صغيرة بائسة من الأسرار...).
ويضيف: (إن ما يهمني في أي إنسان هو الحالة الإنسانية. ويهمني في الإنسان العظيم وسائل عظمته وطبيعتها. وفي القديس طابع قداسته. وبعض الملامح التي تعبر عن صلة خاصة بالعالم، أكثر مما تعبر عن الطابع الفردي).
وعن الذكرى، يطرح مالرو السؤال الجوهري:
(لماذا أتذكر؟). كما أنه سرد ذلك في كتابه (المذكرات المضادة)، قال: (لأني عشت في المجال القلق، مجال الذهن والتخييل، مجال الفنانين، ثم في القتال ثم التاريخ، وقد عرفت وأنا في العشرين ـ آسيا التي كان احتضارها ما زال يبرز (ما يعنيه الغرب).
وقد لاقيت مرارا ـ تارة متواضعة، وطورا متألقة ـ كل اللحظات التي يتبدى فيها لغز الحياة الأساسي لكل منا، كما يتبدى لكل النساء تقريبا أمام وجه طفل، ولكل الرجال تقريبا أمام وجه ميت. وفي كل ما يجتذبنا، بمختلف أشكاله. وفي ظلنا، رأيته يصارع ضد الإذلال، وحتى فيك..أنت أيتها العذوبة التي يتساءل المرء ماذا تراك تفعلين على الأرض؟ تبدو لي الحياة الشبيهة بآلهة ديانات منقرضة، تبدو لي مرات مثل كتاب موسيقى مجهولة).
شخصية حداثية
إن الربط بين الأدب والفن والحداثة، هي التي جعلت مالرو يدخل الحداثة من بابها الواسع. وهنا يقول: (في الإبداع الروائي، وفي الحرب وفي المتاحف الحقيقية والخيالية، وفي الثقافة، وربما في التاريخ، وقعت على لغز أساسي، صادفته تبعا لأهواء الذاكرة التي لا تبعث الحياة في تسلسلها الأول، وهي كواكب تظهر، تضيئها شمس خفية، فتبدو كأنها تعد لتكون مجرة جديدة. بعضها ينتمي إلى المخيلة، وكثير منها إلى تذكار ماض يبزغ من الظلمات مثل ومضات البرق، أو يكون علي أن أجمعه صابرا:
إن أعمق لحظات حياتي لا تسكن فيّ، ولكنها تساورني تارة وتفر أخرى). ظلت رؤيته للمستقبل صحيحة وتصلح لكل العصور، ولم تتقادم الصورة التي قدمها عن عالم المستقبل أبدا. وقد قال في هذا الصدد: (إن الوسائل السمعية ـ البصرية تبقى الفرصة الأخيرة للتعبير عن الفن. ..). وهذا جانب من الحداثة التي ركز عليها مالرو، وصحت نبوءته.
وهو يشدد على ذلك: (إذا لم يعد هناك من يعتقد أن الصورة الذاتية، بل الصورة، لم يكن من همها إلا أن تحاكي نموذجها منذ تماثيل النحاتين المصريين حتى اللوحات التكعيبية، فما زلنا نعتقد أن ـ البورتريه ـ الأدبي أفضل كلما ازداد شبها ويزيد شبها بنسبة ما يبتعد عن أن يكون تقليديا. هذا هو التعريف الذي يقترحه أصحاب المذاهب الواقعية التي بنيت في معظم الأحيان لمواجهة المذاهب التي تدعو إلى ابتغاء المثل الأعلى.
ولكن إذا كانت المذاهب المثالية قد أنتجت في اليونان وفي عصر النهضة، فنا من أعظم فنون أووربا، فإن المذهب الأدبي الذي يدعو إلى المثل الأعلى ذاته ليس بينه وبين ليوناردو دافنشي أو مايكل انجلو، أي صلة قربى إلا في شخصيات المسرح التراجيدي).
وفي سنوات الستينات، عندما احتفل مالرو بعيد ميلاده الستين، أي في 3 نوفمبر من عام 1961، كان طموحا إلى درجة كبيرة في تأصيل الثقافة التي خصص لها ديغول مبالغ كبيرة، وكان يردد: (ما أريد إنجازه هو شيء جنوني، ولكن ما أستطيع عمله يعادل صفرا...). ولعل رأي كريستيان مواتي، هام للغاية في تحليله لعمل مالرو، حيث قال فيه:
«إن هذا الكاتب تمكن من أن يدخل العناصر الأجنبية ويجعلها في متناول المواطن الفرنسي المتوسط، وهو عالم ديني آسيوي. وكان يعرف الفنون العالمية بأسرها لأنه تذوق هذه الفنون، ولم يكن يتطلب معرفة اللغات الأجنبية كما هو الحال في الآداب. وكان مالرو لا يتحدث إلا عن الفنانين الذين تجمعهم معه وشائج حميمة. ويحاول أن يستخلص من أعمالهم كل ما هو جوهري وأساسي. وبهذه الطريقة جاء إلى النقد الفني الذي أبدع فيه كتبا عديدة مميزة).
شاكر نوري


