الحوار مع المخرج والناقد والأكاديمي المسرحي الدكتور عجاج سليم، مدير المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا، لا يخلو من مجازفة، ليس لغنى تجربته الفنية والأكاديمية وتشعباتها فحسب، وإنما لأن حضوره يطغى على المكان والزمان حيث يكون، ولأن في عينيه يقظة يشع بها بريق، يشي بأن طغيان ذلك الحضور لم يأت من فراغ، بل تقف خلفه عملية تراكمية طويلة متنوعة، تراكم جبلت فيه التجربة مع البحث الأكاديمي مع دماثة الشخصية نفسها.

الدكتور عجاج زار دولة الإمارات، مؤخراً، على رأس وفد من المعهد العالي للفنون المسرحية ومن وزارة الثقافة السورية، بدعوة من مجموعة مسارح الشارقة، شملت جل أقسام المعهد باختصاصاتها المسرحية المختلفة، برؤساء أقسامها وعدد من طلابها، الذين قدموا لوحات فنية بديعة، بينما وقع الوفد السوري والمجموعة بالأحرف الأولى، اتفاقية للتعاون الاستراتيجي على كافة المستويات.«مسارات»، انتهز فرصة وجود الدكتور عجاج في الإمارات والتقى به على هامش الزيارة، وأجرى معه حواراً تشعبت محاوره لتتناول العديد من هموم وانشغالات المسرح في الساحة العربية، إخراجاً وتأليفاً ونقداً، كما تناول الحوار موضوع التعاون بين الحركتين المسرحيتين في سوريا والإمارات.

هل هذه هي التجربة الأولى التي يخوضها المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا على صعيد التعاون الأكاديمي مع مؤسسة مسرحية أخرى؟

لا، هذه ليست المرة الأولى التي نقيم فيها مثل هذا التعاون، فهناك اتفاقيات عدة وقعها المعهد مع بلدان عربية وأجنبية مختلفة، منها تونس وفرنسا والدنمارك، وهناك اتفاقات جزئية مع مجلس الثقافي البريطاني حول دورات تقنية، وهناك اتفاق مع الكويت أيضاً، رغم أنه لم يفعل بعد، لكن اتفاقا بهذا المستوى من التعاون ربما يكون التجربة الأولى على مستوى الوطن العربي بأكمله.

حيث بدأت الفكرة بالدورات، لكنها تطورت خلال زيارة وفد مجموعة مسارح الشارقة برئاسة محمد حمدان بن جرش المدير العام للمجموعة إلى دمشق، حيث نوقشت الكثير من الأفكار والاقتراحات مع أساتذة المعهد ورؤساء أقسامه، ومن ثم استقبل وزير الثقافة السوري الدكتور رياض نعسان آغا، الوفد الإماراتي، إلى أن وصلنا إلى فكرة مشروع للتعاون على نطاق واسع، وفي حال تحققه سيكون له دور كبير على المستوى الاستراتيجي في المستقبل، وسيجيب عن كثير من الأسئلة التي تواجه دائماً المسرحيين العرب في مهرجاناتهم.

إن المشروع يقوم على إقامة الدورات واللقاءات والبحوث والإصدارات المشتركة، بالإضافة إلى أننا نحضر لإقامة مؤتمر للمعاهد العليا والكليات والأقسام في الجامعات العربية، التي تعنى بالشأن المسرحي، ولقد أعلن الوزير استعداد دمشق لاستضافة هذا المؤتمر الكبير بالشكل الذي ترتئيه مجموعة العمل المشتركة، ما بين مجموعة مسارح الشارقة والمعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا.

فن رقيق

إلى أية مرحلة وصلت الاتفاقية بينكم وبين مجموعة مسارح الشارقة؟

بالطبع تم خلال زيارة الوفد السوري للشارقة وضع مسودة اتفاقية التعاون، مثلما تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى، وفي وقت لاحق سندعو الإخوة في الشارقة إلى دمشق لتوقيع الاتفاقية بنصها النهائي.

أما الفكرة الأساسية لهذا التعاون فهي السعي لتوحيد المناهج الأساسية لعملية إعداد الممثل أولاً، وفي ما بعد ننتقل إلى بقية الأقسام، وأعتقد بأنه في حال تحققت هذه الفكرة ووضعت موضع التنفيذ، فإنها ستسهم، إلى حد بعيد، في الإجابة عن أسئلة كثيرة تثار حول أزمة المسرح العربي، وباعتبار أن المعاهد تؤسس لجيل قادم، فإن الأجوبة قد لا تكون جاهزة بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، لكن سيكون هناك في المستقبل المنظور على الأقل توحيد في الأسس العامة لمناهج التعليم المسرحية، الأمر الذي سيوفر لخريجي المستقبل رؤية عامة مشتركة.

وسيقرب بين أجيال من المسرحيين الشباب، وسيضع أسساً صحيحة لما نتمناه من مسرح عربي بتقنياته وأفكاره وتوجهاته ورؤاه وارتباطه بقضايا الناس، بحيث نختصر الكثير من التوصيات التي تطرح في المهرجانات المسرحية العربية حول ضرورة إعداد الممثل وضرورة التثقيف وضرورة النظر إلى واقع الممثل العربي.

وأعتقد بأن البحث والعمل الأكاديميين، والموهبة التي تعد شرطاً أساسياً من شروط القبول في المعاهد الفنية، هي من العناصر المهمة التي ستعود بالفائدة على الجميع. وربما هذا التوجه يجيب عن الكثير من الأسئلة التي أصبحت نمطية تتعلق بأزمة المسرح، وباتت تشكل عناوين لمهرجاناته.

هل تعتبر أنه هناك أزمة يعاني منها المسرح العربي فعلاً لجهة ما يقال عن عزوف الجمهور عنه، ولجهة نخبويته، ولجهة مدى التصاقه بقضايا المجتمع؟

هذا المصطلح أصبح رائجاً في ميدان المسرح العربي، بحيث أصبحنا نتكلم عن أزمة المسرح قبل أن نتكلم عن المسرح نفسه.

المسرح فن رقيق وهش، وهو أقرب إلى «الكريستال» الناعم جداً الذي يتأثر بكافة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وحتى بالطقس والطبيعة، وكذلك ظروف إعلام أو تمويل، أو ظروف داخلية أو خارجية، والمسرح باعتباره يجمع كافة الفنون، فإنه يحتاج دائماً إلى سوية متميزة على صعيد المتابعة واستقبال الفنون الأخرى، مثلما يرتبط بالوضع التربوي والاجتماعي في البيئة التي ينشأ فيها، أي أنه يحتاج إلى التعويد؛ بدءًا من المدرسة والمسرح المدرسي، واصطحاب الأهل لأبنائهم إلى المسرح.

أما الخطاب الذي يصف المسرح بأنه يعاني من أزمة فإنه بحاجة إلى إعادة قراءة، فللأسف إن الكثير من الفنانين الذين يتحدثون عن المسرح يتحدثون عنه بصيغة نمطية مر على عليها الزمان، لكن لا يمكن الحديث عن أزمة أو أزمات مسرحية مشتركة في كافة البلدان العربية والقول إنها متشابهة، فهنا لا وجود للوصفات الجاهزة على الإطلاق.

كذلك ليس من الدقة بمكان الحديث عن مسرح عربي مثلما لا يمكن الحديث عن مسرح ياباني أو مسرح فرنسي أو مسرح روسي، حيث يمكن تقديم شكسبير في سوريا، ويمكن أن تقدم سعدالله ونوس في ألمانيا، فالمسرح لغة فنية عالمية، وبحالة تحقيقه لشروطه ومقوماته الفنية فإنه يمكن أن يقدم في أي مكان.

وأممية المسرح تشمل تعريف المسرح نفسه، على اعتبار أنه معاصر وراهن ويحدث الآن وهنا، وبالتالي فإنه يطرح قضاياها بشكل فني جذاب وممتع، آخذاً في الاعتبار المبدأ القائل إن المتعة لا بد أن تسبق الفكر، ولأن المسرح مرتبط بالقضايا الاجتماعية وبآمال وأحلام الناس، حتى إن أبو خليل القباني كان يحلم قبل 150 سنة خلت، بأن يستمر المسرح ويكبر ويصبح جزءًا من حياتنا، بحيث يتحول إلى ضرورة اجتماعية تدفع الناس للخروج، ولو مرة في الأسبوع، إلى المسرح، ليشكل المجتمع حاضنة للمسرح تبعده عن القرار السياسي، فالثقافة لا يمكن أن تنشأ بقرار.

وفي الحالة العربية، فإنه من الصعب الحديث عن تجربة مسرحية واحدة، مثلما نتحدث عن الوحدة العربية والقومية العربية، لأن الظروف الموجودة في تونس أو المغرب، تجعل من المجتمع التونسي قريباً من المجتمع الأوروبي وحضارته، ما جعل المسرح موجوداً في المدارس والجامعات، وهذا الاهتمام شكل جمهوراً واسعاً، يتابع هذا المسرح ويطالب دائماً بتطويره وتجويده، ويحاكم الفنانين والقائمين عليه في حالة الخلل والتراجع.

بينما إذا أخذنا تجربة بلد عربي آخر، فقد نجد أن المسرح بحاجة إلى قرار، ومن هنا تنشأ ضرورة التأهيل المسرحي في المستوى الجامعي، الأمر الذي قد يشكل أحد أهداف المؤتمر، الذي تحدثنا عنه، مع ضرورة عدم إغفال الظروف الاجتماعية التي يعيشها كل بلد عربي على حدة.

نقاط مميزة تسجل لمسرح الشارقة

تسعى مجموعة مسارح الشارقة في يومنا هذا إلى إطلاق المسرح المدرسي الأول، كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟

الأطفال يشكلون دائماً، رافداً مهماً وضرورياً على مستوى الأجيال المقبلة.

حيث يمكن أن تكتشف الموهبة، سواء كان ذلك يتعلق بالكتابة أم في التمثيل أم بالمشاهدة، لكنك وأنت تؤسس لمسرح مدرسي، فإنك تقوم بأهم خطوة بهذا الاتجاه، باعتبار أن الطفل بطاقته وحيويته يستمتع بالمسرح أكثر من أي شيء آخر، لأنه يرى أمامه الشخصيات التي كان يحلم بها، يرى علاء الدين، ويرى المصباح وعلي بابا وشخصيات من التاريخ، ونتيجة حب الطفل للحركة، فإن تفاعله سيكون أشد مع المسرح.

وبالتالي فإنك تسهم هنا، عدا أنك تقدم له معلومة وتعلمه عادات اجتماعية مفيدة وتعرفه بمكونات المسرح، في بناء جيل للمستقبل، جيل يهوى المسرح، تجمعه علاقة طيبة بالمسرح منذ الطفولة، بعد أن يكون قد خاض تجربة لن ينساها، فمن منا لا يذكر المرة الأول التي زار فيها المسرح بكل تفاصيلها، وكأننا قمنا بتلك الزيارة بالأمس القريب. وهنا تأخذ العملية شقين حيويين، فأنت من جانب تربي جيلاً من مشاهدي المسرح، وجيلاً من المشتغلين فيه

أعتقد بأن خطوة مجموعة مسارح الشارقة باتجاه المسرح المدرسي، هي خطوة تأسيسية واستراتيجية، وأتمنى أن يوضع نظام داخلي، وأن يتم تهيئة كوادر لهذا المسرح، وأن يكون هناك مؤسسة تحتضن هذا التوجه كي لا يكون مجرد طفرة تنهي بعد فترة من الزمن.

كيف تنظر إلى مسرح أصحاب الإعاقات عموماً، وإلى التجربة التي تشهدها الإمارات في هذا الميدان؟

هذه الفئة من المجتمع لا تأخذ حقها كما يجب، مع أن الإصابة الجسدية مسألة عادية، وتحدث كثيرا، لكن نظرة المجتمع غير الصحيحة لها هي التي تترك آثاراً سلبية على هذه الفئة.

الاهتمام بمسرح أصحاب الإعاقات هي خطوة مهمة، إذ إنها تبتعد عن الشفقة، وتتيح لهم فرصة لتقديم أعمالهم والمشاركة. وأنا أطالب بأن تستمر هذه الخطوة بالارتقاء، حتى تتلاشى الفروق بين مسرح أصحاب الإعاقات ومسرح الناس الطبيعيين، وصولاً إلى دمجهما في مسرح واحد.

ماذا عن حركة تأليف النصوص المسرحية التي تتعامل مع الفئات التي لها حالات خاصة في البلدان العربية، على غرار أصحاب الإعاقة؟

في هذا الميدان، لا بد من بذل جهد مضاعف، وأولاً باتجاه إيجاد مسرح مميز على علم بخصائص المجتمع بكل تفاصيلها، ما سيجعله يتطرق بالضرورة إلى المعاق والسجين والمراهق والأحداث الجانحين، الذين يجب أن يصل المسرح إليهم جميعاً، ويقدم لهم أعمالاً توجيهية تحرضهم على الالتزام بعادات وقوانين المجتمع، وأعمالاً فنية تقدم لهم نماذج اجتماعية مشرفة، وبذلك يسهم المسرح بإعادتهم إلى الطريق القويم ويمنعهم عن الجريمة.

لكن النصوص المسرحية التي كتبت في هذا المجال قليلة جداً، وربما النص الوحيد هو نص كتبه ممدوح عدوان بعنوان «اللمبة»، منذ عشرين عاماً، ولقد كتبه مع فرقة معاقين.

وهي تجربة لا تحتاج إلى مؤهلات خاصة في الكتابة، لكنها تحتاج، على الأقل، إلى تدريب وورش عمل، على غرار الورش المعتادة، مع دعمها بمختصين بعلم الاجتماع وعلم النفس، وذلك تبعاً لهذه الفئة أو تلك من فئات المجتمع، التي تريد مخاطبتها، أما تقنية الكتابة فهي واحدة. وقد يأخذ تعاوننا مع مجموعة مسارح الشارقة شكل الشراكة الكاملة ذات البعد الاستراتيجي ببعده العربي.

لا أزمة نص مسرحي

هل تعتبر أن هناك أزمة يمر بها النص المسرحي في البلدان العربية؟

أعتقد بأنه ليست هناك أزمة يعاني منها النص المسرحي، فأي نص يمكن تحويله إلى نص مسرحي إذا كنت فعلاً قادراً على كتابة هذه النص، وإذا كان لديك مخرج وممثل جيدان، فليس هناك أزمة نص ولا أزمة مخرج مسرحي ولا أزمة ممثل مسرحي، المسألة بحاجة إلى اهتمام ودعم رسميين، ومصادر تمويل وتربية مسرحية.

عادة ما تواكب الحركة الإبداعية حركة نقدية ترفدها وتغنيها وتصحح مسارها، هل لك أن تحدثنا عن حركة النقد المسرحية في الوطن العربي، وعن مدى مساهمتها في تسليط الضوء عليه؟

النقد ضروري في كل ميادين الفنون والإبداع التشكيلة والأدبية والمسرحية، لكن يتعين على من يمارس النقد أن يكون ملماً بموضوع النقد، وله تجربة فيه، ومن المؤسف القول إن النقد الذي نمارسه ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، فإما أن يكون تجريحاً، أو تطبيلاً، في حين أن النقد هو تقييم ينتج عن خبرة وتجربة ومعرفة وثقافة وحكمة وعمر.

ومن المؤسف أن الساحة العربية تخلو من أسماء نقاد عرب، عدا بعض الأسماء التي تعد على أصابع اليد الواحدة، فضلاً عن أن النقد العربي لا يواكب المسرح العربي، وكل ما نقرأه في هذا الميدان ناجم عن موقف شخصي أو عن انطباع انفعالي سريع، أي أن حركة النقد في الساحة العربية، تعرقل حركة المسرح. ونحن نفكر في المعهد في رفع المستوى الأكاديمي لتخصص النقد، إلى مستوى الماجستير، لأن الناقد يمثل ضمير الكل.

باسل أبو حمدة