اسطنبول مدينة تجمع بين سحر الشرق وبريق الغرب مشكلة نموذجاً لفن معماري عريق يأسر الألباب، ويدعوها إلى القيام برحلة لا حدود لها في مرابع الخيال والإبداع، رحلة تلهم الشاعر في نظم قصائده والأديب في كتابة رواياته والفنان في رسم لوحاته، لا سيما أثناء ليلها الأخاذ بأضوائه ومصابيحه التي يشع نورها في كل الأرجاء، متحدة مع بريق النجوم وأشكالها في سيمفونية طبيعية أخاذة تتلألأ على سطح مياه البوسفور .

تعد اسطنبول من أبرز وأكبر المدن التركية، حيث تقع على ضفتي مضيق البوسفور، وهي المدينة الوحيدة التي تقع على حافة قارتين، هما أوروبا وآسيا، وتعتبر عصب الحياة الاقتصادية في تركيا وبوابة أوروبا على الشرق، وموقعها الاستراتيجي كنقطة عبور بين قارتين، جعلها تلعب دوراً هاماً في العديد من المجالات السياسية والثقافية والتجارية بين آسيا وأوروبا وشمال إفريقيا، وخاصة بين البحرين المتوسط والأسود.

قصة مدينة كانت تعرف إسطنبول في السابق باسم القسطنطينية، والتي كانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في الزمان القديم، وتغير اسمها في ما بعد إلى اسطنبول أو (إسلام بول)، بعد أن فتحها السلطان محمد الثاني، والذي عرف باسم محمد الفاتح، وذلك في عام 1453، إذ جعلها عاصمة الدولة العثمانية.وقد كان للبيزنطيين طريقة خاصة ومميزة في فن العمارة بحيث استلهم العثمانيون من الكنائس البيزنطية طريقة لبناء مساجدهم.

وأضافوا عليها المنارات وزينوها من الداخل بالزخارف الإسلامية، وكانت القباب وما أدخل عليها من ابتكارات في أوضاعها وطرق إنشائها، هي أهم ما يميز عمارة ذلك العصر، وقد اشتهر المهندسون في ذلك العصر بالإبداع والتفوق في التكوين المعمارى لهذه القباب، فبعضها من النوعية الكبيرة والصغيرة ونصف القباب، ما جعلها فريدة من نوعها على مر الزمن.

معمار لافت

لم يغفل الرومان عوامل المناخ في بلادهم، تلك البلاد الشرقية ذات الجو الحار نسبيا والأمطار القليلة ، فراحت تظهر تلك العوامل واضحة على مبانيهم وفي فنونهم متأثرة بتلك الظروف المناخية، و من ثم ابتكرت طرق معمارية خاصة تأثرت بها مبانيهم.

فمثلا نجد الأسطح المستوية مشتركة مع القباب ذات الطابع الشرقي الأصيل، والفتحات الصغيرة الضيقة للشبابيك المرتفعة نسبيا عن الأرضية، وتلك الحيطان غير المنكسرة، والعقود المتكررة التي تحيط بالأفنية الداخلية.

كل هذه العوامل كونت الخواص المعمارية لهذا الطراز البيزنطي، والتي تعتبر من أهم الصفات والمعالم المميزة للعمارة البيزنطية، حيث تحتضن اسطنبول في يومنا هذا أروع ما أنتجت هذه الحقبة على المستوى المعماري، وهو مبنى(آيا صوفيا) الذي كان كنيسة وتحول إلى مسجد، ثم إلى متحف في الوقت الحالي.

لقد أصبحت اسطنبول بعد الفتح الإسلامي لها، على أيدي العثمانيين، متحفًا واسعًا للمساجد الفخمة الشامخة بمآذنها وقبابها الضخمة المتميزة بطراز معماري رفيع، والمباني والقصور الفخمة التي تشخص الأنظار إليها، عاكسة بأضوائها لوحة فنية رائعة على مياه مضيق البوسفور. فإسطنبول تغص بالصروح العمرانية الضخمة التي لا يمكن للزائر أن يمر عليها مرور الكرام.

قصر الباب العالي

أنشئ قصر الباب العالي أو «طوب كابي سراي»، في عام 1874، بعد دخول السلطان محمد الفاتح إلى اسطنبول، وتم بناؤه من الحجر بني اللون، وهو عبارة عن مجموعة من المباني التي تربطها أفنية وممرات ومساحات خضراء، وللقصر مدخل رئيسي يتكون من دعامتين عاليتين تشبهان المنارة، ويدعى (باب المدفع).

وهو يقع بين القرن الذهبي وبحر مرمر، وكان القصر مركز الحكم بالنسبة للسلاطين العثمانيين، وكانت جميع الأقاليم تستعمل اسمه للإشارة إلى السلطان.

ويتكون هذا القصر من عدة أجنحة تخدم فعاليات ونشاطات مختلفة، حيث جناح ولي العهد، وجناح والدة السلطان، وديوان السلطان ووزرائه، وكذلك جناح لكل زوجة من زوجات السلطان، إضافة إلى متحف للهدايا التي تهدى إلى السلطان، وساحة للاحتفالات، وأجنحة الحراس والخدم.

وتم تحويل القصر إلى متحف وهو مثال رائع على العمارة العثمانية، وتوجد فيه مجموعة كبيرة من أنواع الخزف والأثواب والأسلحة وصور السلاطين العثمانيين، والمخطوطات والمجوهرات والكنوز العثمانية، بالإضافة إلى عروش السلاطين.وتوجد بالقصر غرفة الأمانات المقدسة التي نقلت من مصر عند فتحها، وكذلك آثار للرسول محمد(ص)، على غرار سيفهُ و عصاهُ وضرسه وجزء من شعرهِ، وإحدى خطبه، بالإضافة إلى سيوف الصحابة ومفاتيح الكعبة.

جامع السليمانية

يقع مسجد السليمانية على ربوة عالية، تطل على القرن الذهبي بمضيق البوسفور وهو من أكبر المساجد التركية وأشهر مساجد العالم الإسلامي، وقد قام بدور كبير في نشر الدعوة الإسلامية، ونشر المعارف والعلوم الدينية والدنيوية، وأشرف على بنائه أمهر المعماريين، كما أنه جمع بين دراسة الطب والآثار وإقامة شعائر الدين.

ويعتبر شاهداً على عظمة العمارة الإسلامية، بأعماله المرمرية والرخامية والزجاجية والبرونزية والخشبية، ولوحاته الخطية وأشكاله الزخرفية.جاءت خامات هذا الجامع ومواده من مختلف بلاد العالم، ومنها الجزيرة العربية وجزيرة مرمرة.

وتتكامل على محرابه، وقبابه وأبوابه فنون العمارة الإسلامية، وتتجلى فيه الزخارف الهندسية والنباتية واللوحات الخطية التي كتبها أشهر الخطاطين الأتراك، وقد تم تشييد المسجد طبقا لنظام المجمعات المعمارية (المجمعات الكلية).

وهو عبارة عن مبنى كبير تحيطه مجموعة من الملاحق والمرافق والمنشآت الأصغر حجما، من بينها المسجد والمدرسة والمستشفى ودار الضيافة والحمام التركي وسبيل الماء والمطبخ والأضرحة، ويحيط بهذا المجمع سور كبير يحمل الملامح المعمارية نفسها.

كما توجد في أركان المسجد أربع مآذن، المئذنتان الأماميتان أقل طولا، وفي كل منهما شرفتان للآذان، والمئذنتان الخلفيتان في كل منهما ثلاث شرفات، ويشير عدد المآذن إلى ترتيب السلطان سليمان القانوني بين السلاطين العثمانيين بعد فتح القسطنطينية، بينما يشير عدد الشرفات العشر إلى ترتيبه بين سلاطين الدولة العثمانية منذ إنشائها.

وتنتمي المآذن إلى الطراز العثماني، وتشتهر بارتفاعها ورشاقتها. واللافت أن هذا المسجد قد شيد على نظام القبة الوسطى، وهي قبة كبيرة الحجم تغطي ساحة الصلاة، ويبلغ ارتفاعها عن الأرض 53 مترا، وقطرها 27مترا، وتحيط بها مجموعة من القباب الصغيرة.وتقوم القبة الكبرى على ثمانية أعمدة رخامية ضخمة، وعليها تيجان تزينها المقرنصات والأشكال الزخرفي.

ويمثل جامع السليمانية العصر الذهبي للعمارة العثمانية بأعماله الهندسية وعناصره المعمارية وأبوابه البرونزية ونوافذه الزجاجية ذات الشبابيك الحديدية. وللسلطان مقصورة بالمسجد كان يؤدي فيها الصلاة، وساحة الصلاة تأخذ شكل المستطيل، وهي مغطاة بألواح المرمر الأبيض، وتتسع لخمسة آلاف من المصلين.

جامع السلطان أحمد ( الجامع الأزرق)

يقع جامع السلطان أحمد، أو الجامع الأزرق في ميدان السلطان أحمد، وهو جامع رائع في عمارته وأنوارها التي تضفي على المكان رونقا خاصا أثناء الليل، ويعد أحد أهم وأضخم المساجد في تركيا والعالم الإسلامي.

ويقع مقابل متحف آيا صوفيا وشرق ميدان السباق البيزنطي القديم، وله سور مرتفع يحيط به من ثلاث جهات، وفي السور خمسة أبواب، ثلاثة منها تؤدي إلى صحن المسجد، واثنان إلى قاعة الصلاة.ويتكون الصحن من فناء كبير، ويتوسط الصحن ميضأة سداسية محمولة على ستة أعمدة، يظهر فيه التأثر بالفن الفارسي.

وتتوسط المسجد قبة كبيره يحفها أربعة أنصاف قبة، كما أن كل ركن من أركان المسجد مغطى بقبب صغيرة فيها عدد كبير من النوافذ التي يتخللها الضوء عبر زجاجها المعشق، ويعلو المسجد ست مآذن.

خالدة الرفاعي