تجهت أنظار العالم كلّه هذه السنة نحو جمهورية جنوب إفريقيا الدولة الأولى في القارة الإفريقية السمراء التي تقوم بتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم. وبالتوازي صدرت سلسلة طويلة من الكتب عن هذه البلاد عامّة وعن تنظيمها لهذه التظاهرة الرياضية الكبرى بشكل خاص. وفي عداد هذه الكتب عمل جماعي جرى إنجازه تحت إشراف أستاذين جامعيين لهما باعهما الطويل في دراسة تاريخ جنوب إفريقيا والدور الاجتماعي للرياضة في المجتمعات الإفريقية هما اليجي بيتر الأستاذ في جامعة ميتشيغان وكريس بولسمان الأستاذ المحاضر في جامعة استون البريطانية.

وتتم الإشارة أوّلا أن السلطات الرسمية ومختلف مكوّنات المجتمع المدني وعالم المال ورجال الأعمال والمنظّمات النقابية في جنوب إفريقيا يلتقون جميعا حول البحث عن هدف محدد وواضح هو استخدام هذه التظاهرة الرياضية التي تخصّ اللعبة الأكثر شعبية في العالم والتي يضرب عدد مشاهدي مبارياتها على شاشات التلفزيون الأرقام القياسية بالمقارنة مع مختلف التظاهرات الأخرى.

الهدف المقصود يتم تحديده في هذا الكتاب بجعل كأس العالم لكرة القدم بمثابة «ماركة وطنية» جنوب إفريقية مكرّسة لـ «الاستهلاك العالمي كما للاستهلاك المحلّي».

لكن وفيما هو أبعد من الاستثمار الإعلامي ونشر صورة جديدة لجمهورية جنوب إفريقيا التي يتم تصنيفها كثيرا اليوم في عداد الدول «الصاعدة»، تقدّم تحليلات هذا الكتاب دراسة متعددة المشارب عن التحولات الكبيرة التي عرفتها جنوب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة كي تتأهّل لتنظيم أوّل بطولة لكأس العالم لكرة القدم على أرض إفريقية في هذا العام 2010.

وتمثل دراسة دور كرة القدم في مجتمع إفريقي مثل مجتمع جنوب إفريقيا أحد مراكز الاهتمام في مساهمات هذا الكتاب. ذلك إلى جانب التأكيد على الدور الذي لعبته الرياضة عامّة وكرة القدم خاصّة في جنوب إفريقيا تحديدا خلال فترة النضال الوطني من أجل الاستقلال والتخلّص من حكم التمييز العنصري للأقليّة البيضاء خلال فترة طويلة من الزمن.

وتتفق الآراء المقدّمة على القول ان جميع مواطني جنوب إفريقيا من أبسطهم وحتى أصحاب القرار يرون أن هذه البطولة تمثّل لحظة استثنائية في حياة بلادهم. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الجنوب إفريقي بالقول «لقد حانت لحظة جنوب إفريقيا».

وتتم المقارنة في هذا السياق بين ما تعرفه جنوب إفريقيا اليوم من اهتمام وبين ما عرفته الصين عندما قامت بتنظيم الألعاب الأولمبية في صيف عام 2008 في بكين. ويتفق الجميع أيضا أن البلاد تنتظر أن تكون المناسبة إعلانا عن تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة. ذلك أن مناسبة تنظيم كأس العالم لكرة القدم يمكن أن تكون «لحظة توحيد تاريخية» للإعلان عن انطلاقة جديدة.

لكن المساهمين في هذا الكتاب يؤكدون بالوقت نفسه أن للميدالية وجهها الآخر ومثل هذه الآمال الكبيرة لا ينبغي أن تطمس واقع أن المشاكل الحقيقية هي أكبر من أن تجد حلّها بهذا الحدث الرياضي أو ذاك مهما كان حجمه. ذلك على أساس مقولة عامّة مفادها أن التنمية التي ترتبط بالأحداث الرياضية الكبرى لا تتحقق في أغلب الأحيان على أرض الواقع إذا لم تكن البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد تسمح بذلك، وجنوب إفريقيا لا تشذّ عن هذه القاعدة.وتتعدد في هذا السياق الآراء التي تصبّ كلّها في خانة القول أن التغيّرات المرتبطة بتنظيم بطولة لكرة القدم على المستوى العالمي إنّما هي من طبيعة رمزية أكثر مما هي من طبيعة حقيقية وواقعية. بتعبير آخر هي «ذهنية وعاطفية أكثر مما هي اقتصادية أو كميّة».وما بين الإفراط في التفاؤل فيما يتعلّق بالمنعطف الذي يشكله تنظيم بطولة العالم لكرة القدم في جنوب إفريقيا وبين الإفراط في التأكيد على البعد الرمزي لهذه التظاهرة يتم طرح السؤال التالي «هل يمكن لكرة القدم أن تنقذ جنوب إفريقيا؟».

وما يتم تأكيده بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب هو أن جنوب إفريقيا تواجه عددا من التحديات. وفي مقدمتها مشكلة الفقر الذي تعاني منه نسبة عالية من السكان، خاصّة ممن يعيشون في الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الكبرى. وتتضاعف هذه المشكلة البنيوية بترافقها مع تعاظم ظاهرة أولئك الذين يعيشون حالة من التشرّد بلا مأوى. ومثل هذا الواقع يترافق بالضرورة مع تفشّي ظاهرة البطالة التي تطال في بعض المناطق نسبة عالية تتجاوز الـ 20 بالمئة من القادرين على العمل.

ويبقى أحد أكبر التحديات التي تواجهها جنوب إفريقيا هو الانتشار المخيف لمرض نقص المناعة المكتسب، الأيدز، الذي تعاني منه بلدان إفريقية عديدة ويشكل أحد التهديدات الجديّة بالنسبة للمستقبل الديموغرافي للقارّة السمراء.

والإحصائيات المقدّمة تدل على أن جنوب إفريقيا هي أحد البلدان الإفريقية ذات النسب العالية من حيث الإصابة بفيروس هذا المرض القاتل.ويؤكّد كريس بولسمان، أحد مؤلفي هذا الكتاب، أن «الجنوب إفريقيين على دراية كاملة بالثمن الذي ينبغي عليهم أن يدفعوه مقابل تنظيم كأس العالم لكرة القدم في بلدهم.

وأن هذا الثمن باهظ نظرا للمعاناة من مشاكل خطيرة مثل البطالة وعدم المساواة وانتشار مرض الأيدز وتوفير القليل من الخدمات الأساسية». الأرقام التي يتم تقديمها من أجل بناء المنشآت الضرورية للحدث الرياضي العالمي الذي تستقبله جنوب إفريقيا تفوق الـ 8 مليارات دولار.

إن التنمية الحقيقية تعني بالضرورة مواجهة هذه المشاكل وغيرها. ولا شيء يسمح بالقول ان تنظيم تظاهرة رياضية كبرى مثل كأس العالم لكرة القدم سوف يحقق التغير الجذري المطلوب بهذا الصدد. وبهذا المعنى يقول اليجي بيتر، المشرف الآخر على إعداد هذا الكتاب «إن الإنفاق من أجل كأس العالم هو حرث في المحيط».

ويضيف في هذا الإطار أن «الإنفاق على المستوى المحلّي له أثره الهائل على ميادين مثل تأمين الطبابة والرعاية الصحيّة للفقراء وبناء أماكن للسكن لأولئك الذين يفتقرون إلى مأوى». بكل الحالات تتم الإشارة إلى أن صرف أموال ضخمة على كأس العالم أثار جدلا كبيرا في جنوب إفريقيا. بل إن عددا من المدن الكبرى عرفت بعض الاضطرابات على قاعدة هذه المسألة.

وبالمحصّلة، ورغم حقيقة وعمق التحديات التي تواجهها جنوب إفريقيا، أن الكثير من أبناء جنوب إفريقيا لا يرون في احتضان بلادهم لمباريات كاس العالم لكرة القدم مدعاة للاعتزاز الوطني فحسب، لكنهم يرون فيه أيضا مناسبة لإظهار التقدّم الاقتصادي الذي حققته بلادهم ومنعطفا هاما في تأكيد هذا التقدم ودفعه إلى الأمام وفي أخذ موقعها على الساحة الدولية.

الكتاب: جنوب إفريقيا واللعبة الشاملة

تأليف: اليجي بيتر وكريس بولسمان وآخرون

الناشر: روتلدج- لندن 2010

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط

South Africa and the global game

nnamsloB sirhC , retep igelA

Routledge , London 2010

200p.