اكسيل كان هو أحد الشخصيات المعروفة على الصعيد العالمي، كطبيب شهير، وعلى الصعيد العام كشخصية سياسية لها مواقف معروفة بنزاهتها حول مختلف القضايا الدولية وتأكيده حق تقرير المصير للشعوب.
وكتابه الأخير «الإنسان الجيد لا يفعل ذلك»، الصادر قبل عدة أسابيع، هو ثمرة تجربته الحياتية بنوع من السيرة الذاتية، ولكنه أيضا كتاب في «الأخلاق والسلوكيات الأخلاقية» كما يقول عنوانه الفرعي.عنوان هذا الكتاب «الإنسان الجيد لا يفعل ذلك» يأخذه المؤلف من سيرة حياته، حيث يقدمه بالجملة التالية: «لقد وجّه لي أبي مرتين أوامر زاجرة لم تتوقف أبدا عن ملاحقتي». لقد قال له والده: «الفتى الجيد لا يفعل ذلك». ويضيف المؤلف: «كان ذلك عندما كان عمري سبع سنوات عندما وجهت لزميل صغير تعابير ذات نكهة عنصرية». والمرّة الأخرى عندما كتب له والده في آخر رسالة له قبل أن يلقي نفسه من قطار كان يسير بسرعة كبيرة: «ينبغي عمل الأشياء الضرورية بدقّة ومثابرة. كن عاملاً وإنسانياً».
ولا يتردد المؤلف في القول: «إن فك رموز هاتين الرسالتين كان أحد الخيوط الحمراء لمسيرتي الفكرية ولحياتي كإنسان. لست متأكداً أنني توصلت إلى المعنى الدقيق الذي قصده جان كان لجملتيه لكنني قمت شخصيا بإعداد توليفة من القيم التي أستطيع توضيحها وتبيين منطقها، بحيث ان المتحدثين معي وقرائي يستطيعون معارضتها أو استحسانها».
وفي هذا الكتاب بالتحديد يقوم المؤلف الطبيب وأخصائي المورثات الشهير بالعودة إلى نقاش الأسس التي قام عليها تأمله حيال المنظومة الأخلاقية القائمة في المجتمعات الحديثة، خاصة أنه عمل لسنوات طويلة في إطار «اللجنة الاستشارية الفرنسية للمنظومة الأخلاقية».
وهو يناقش هذه الأسس على ضوء مسار تجربته الشخصية، ومن خلال هذا يتعرّض للعديد من الملفات «المثيرة للجدل» في فرنسا والغرب من خلال «بناء شخصية أخلاقية و«الكرامة والاستقلال الذاتي والحرية» و«الأخلاق والقانون» و«الإنجاب في جميع حالاته» و«العقل والعلوم العصبية والأخلاق» و«الإنسان كمجموعة من قطع التبديل»، كما جاء في عناوين فصول هذا العمل.
وهناك هدف واضح من هذا كله وهو عرض مرتكزاته الأخلاقية» والاستجابة لحاجة الكتابة والإفصاح عن أشياء تقلقه وهي مخزّنة في أعماقه وعلى رأسها واقعة ذلك الأب الذي كان يحبه جدا وخصّه بكلماته الأخيرة برسالة، وهو الأصغر سنا بين أبنائه الثلاثة. كان ذلك قبل 40 سنة.
تتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تتردد بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب بالقول إنه على الأخلاق التأمّل في العلم وليس على العلم أن يثني مسيرة الأخلاق.
وهو يؤكد قوله أنه ليس من المطلوب الانخراط في العموميات الأخلاقية المطلقة ولكن بالأحرى تقديم وجهة نظر.
وهذا يستدعي بالضرورة التعرّض للموقع الذي يشغله صاحب هذه الوجهة، وبالتالي يتعلق الأمر بمساره المهني وبسيرة حياته.
إن المؤلف يتعرّض على مدى صفحات في هذا الكتاب إلى مسيرته في الانتقال من الكاثوليكية على صعيد المعتقد ومن الشيوعية على صعيد الانتماء السياسي إلى موقف عقلاني. لكنه لم يدر ظهره مع ذلك إلى ما يعتبره الأساس الذي تقوم عليه المسيحية وغيرها من الديانات من حيث قولها: «عليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك».
أي ما يعني الاعتراف بالقيمة الأساسية للآخر. ويشرح أن مثل هذه الفكرة لم تكن بعيدة عن انضمامه إلى الحزب الشيوعي أثناء الحروب ضد الاستعمار.
ذلك كترجمة لشجبه السيطرة على الآخر وممارسة العنف حياله. لقد ناضل المؤلف لسنوات طويلة في هذا الإطار المناهض للاستعمار لكنه اكتشف بالمقابل أن الالتزام السياسي يحتوي على الكثير من المظاهر السطحية والتي لا يمكن للعقل الحر سوى أن يعترض عليها.
القيمة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف هي «القيمة الأخلاقية للسلوك المتبادل». ذلك على خلفية اعتقاده أنه لا بد من وجود إنسانين على الأقل كي يصبح الإنسان «إنساناً».
ويطرح في هذا السياق فرضية وجود إنسانين فقط في المعمورة، حيث سيصبح إدراك كل منهما لإنسانيته مرتبطاً بـ «قراءة الفكرة» التي يحملها الآخر عنه وكما «تبدو في عينيه».
ويرى المؤلف في السؤال المطروح حول هذه القضية «إشكالية» بحد ذاته. إذ ان «نداء» إنسان للمطالبة بموته هو «مأساة» بالمعنى الدقيق للكلمة. ذلك أنه ليس هناك مخرج جيد للوضع، بالتالي ينبغي البحث عن المخرج «الأقل سوءً».
ويحدد اكسيل كان القول أن الجواب الوحيد المتضامن والأصيل إنسانيا هو الذي يمكن للمجتمع أن يقدمه للإنسان المعني هو محاولة إعادة إيجاد الأسباب لاستمراره في الحياة.
هذا مع الإشارة إلى قناعته التامّة أن من يلجأون إلى «مساعدة» الإنسان على وضع حد لحياته إنما هم يفعلون ذلك على قاعدة «التضامن»، وبالتالي لا يوجّه لهم الإدانة. ولكنه يعرب عن اعتقاده أنه لا ينبغي على مجتمع بأكمله التشريع لفكرة قتل من يطالب بذلك.
الكتاب: الإنسان الجيّد لا يفعل ذلك
تأليف: اكسيل كان
الناشر: نيل باريس 2010
الصفحات: 288 صفحة
القطع : المتوسط
Un type bien ne fait pas ça
Axel Kahn
Nil- Paris 2010
288p.

