ماذا يمكن أن يؤمل من روسيا؟ وما هي مواطن الخشية منها؟. مؤلفتا هذا الكتاب تعودان إلى التأريخ لروسيا منذ الثورة البلشفية عام 1917 وحتى الفترة الراهنة بوجود ديمتري ميدفيديف كرئيس وفلاديمير بوتين كرئيس للوزراء.

السمة الرئيسية التي تؤكدان عليها في تحليلاتهما هي أنه منذ جهاز «تشيكا» السري عام 1917 وحتى جهاز «الكا. جي. بي» السوفييتي وجهاز الاستخبارات الفيدرالي الحالي يسيطر «رجال الظل» على مقاليد السلطة وقامت الأجهزة السرية بخدمة الاتحاد السوفييتي السابق كما تقوم الأجهزة السرية الروسية الحالية بخدمة النظام القائم، وفي الحالتين عبر استغلال الغرب، هذا منذ زمن ستالين وحتى يلتسين ومن لينين حتى ميدفيديف ومنذ البلاشفة حتى «الأغنياء الجدد».

تتوزع مواد هذا الكتاب بين 11 فصلا ابتداء من التساؤل «روسيا-الغرب: حرب أم سلام»؟ ووصولا إلى فصل ختامي يحمل عنوان «الكرملين-الغرب، الدبلوماسية السرية»، ومرورا بفصول عن «البلشفية» و«لغز بيريا» و«اندروبوف المبهم» و«كنيسة أرثوذكسية قليلا»، الخ.

وتبدأ المؤلفتان بالقول أنه مع سقوط جدار برلين ثم تفكك الاتحاد السوفييتي السابق سرت آمال كبيرة بين «أنصار الحرية». لكن هؤلاء نسوا عاملا هاما هو «الكا. جي. بي». ذلك على أساس أن روسيا ما بعد الشيوعية لا تملك أكثر من «واجهة ديمقراطية» كي تتماشى «شكليا» مع الأخلاق الدولية السائدة، ولكن دون أيّة ديمقراطية حقيقية.

وبعد أن تشير المؤلفتان إلى واقع ما قدمته الثورة البلشفية من جهود في مجال التعليم حيث أن الشعب الروسي غدا متعلما بدرجة عالية بينما كان 80 بالمئة منه يعانون من الأميّة قبل عام 1917، تؤكدان أن الغرب شعوبا وقيادات- يتصورون أنهم يعرفون روسيا، ولكن هذا «خطأ واضح» فهم «ضحية دعاية وتضليل إعلامي مستمرّين».

ثم التأكيد: «إن أوروبا لا تزال تسبح في الأوهام». بل تؤكّد أن العلاقات بين الغرب وروسيا تقوم على أشكال من سوء التفاهم يتم تحديدها في عدم قدرة أوروبا الغربية على «فك رموز» ذلك المكوّن «اللاعقلاني» للعالم السلافي «المبهم».

كذلك لم تعرف أوروبا الغربية كيف تفسر «السياسة البيزنطية» لقادته و«ولعهم بالسر». والسبب الثاني المقدّم لسوء الفهم يكمن في جهل الغرب لتاريخ الاتحاد السوفييتي السابق وللكتلة الشرقية السابقة.

إن روسيا ظلّت بنظر العالم الغربي «لغزا ملفوفا بلغز آخر»، كما تنقل المؤلفتان عن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل. وسبب ثالث هو أن الغربيين يخلطون حيال روسيا الرغبات بالواقع عبر امتلاك «رؤية رومانسية» لهذا العالم الروسي المترامي. ونتيجة هذا كله ترك الغرب نفسه عرضة للاستغلال السهل من قبل الدعاية التي كان مصدرها الاتحاد السوفييتي في الأمس وروسيا اليوم.

ويتم التأكيد في هذا السياق أن القلائل جدا «النادرين» من الغربيين هم الذين يعرفون ما كانت عليه حقيقة جهاز «الكا.جي.بي» السوفييتي منذ سنوات الثمانينات المنصرمة.

لكن ينبغي أن يكون المرء مصابا بـ «قدر كبير من قصر النظر»، كما تقول التحليلات، كي لا يرى أن الأجهزة السرية تشكّل منذ لينين حتى بوتين وميدفيديف «الهيكل القوي للنظام» وأن النظام السوفييتي اعتمد منذ الأصل على ركيزتين هما الحزب الشيوعي والكا.جي.بي.

وتعود المؤلفتان بأشكال مختلفة إلى الحديث عن فترة 1989-1991 ابتداء من الانتخابات التشريعية في بولندة عام 1989 وفوز نقابة التضامن فيها ثم سقوط جدار برلين في شهر نوفمبر- تشرين الثاني من نفس السنة 1989 الذي تبعه خروج بلدان أوروبا الشرقية والوسطى دون «تقلّصات كبيرة» من المنظومة الشيوعية وإعادة توحيد ألمانيا ثم تفكك الإمبراطورية السوفييتية.

هذه الأحداث كلها غيّرت جذريا الخارطة الجيولوجية لأوروبا وللعالم. وذهبت في اتجاه تعميق التغيير عملية انضمام (8) بلدان من الكتلة الشيوعية السابقة للاتحاد الأوروبي مع مالطة وقبرص في مطلع عام 2004 ثم انضمام بلغاريا ورومانيا في مطلع عام 2007 بحيث أن عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وصل إلى 27 دولة.

ومقابل جهل الأوروبيين بروسيا هناك جهل للروس بأوروبا، إذ ان الأغلبية الساحقة من الروس يجهلون كل شيء تقريبا عن الاتحاد الأوروبي. هذا باستثناء بعض المتعلّمين ذوي «العقول المنفتحة» الذين يحاولون استكشاف ما يجري في جوارهم القريب.

لكن الفكرة الأساسية التي يتم التركيز عليها تتمثل في القول أن انضمام روسيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس عقلانيا ويبتعد كثيرا عن أرض الواقع. ذلك كون أن الكرملين لا يفكٍّر بمثل هذه الفرضية بل هو لا يقبل أساسا انضمام بلدان يعتبرها مجاله الاستراتيجي مثل جيورجيا واوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ولا إلى الحلف الأطلسي.

ما يمكن قوله هو أن هذا الكتاب هو بعمقه عن العلاقة بين روسيا والغرب خلال الحقبة الشيوعية وحقبة ما بعد الشيوعية الحالية.

لكن المؤلفتان تلقيان الضوء بالوقت نفسه على التاريخ الروسي الحديث في الحقبتين من خلال التأريخ للبلشفية كـ «فلسفة اجتماعية- سياسية تصل جذورها حتى اليونان القديمة.

وكذلك من خلال بعض «رموز» الحقبتين وليس أقلها «لافرينتي بيريا» الجيورجي الذي كان رئيسا لأجهزة الأمن في زمن ستالين ومن القلائل الذين نالوا «ثقته». وشخصية إشكالية أخرى تتعرّض لها المؤلفتان هي شخصية «يوري اندروبوف» الذي كان رئيسا لجهاز «الكا. جي. بي» وأصبح رئيسا «عابرا» لروسيا.

الكتاب: أسياد الكرملين 1917-2009

تأليف: هيلين بلان ريناتا ليسنك

الناشر: سويل باريس 2009

الصفحات: 357 صفحة

القطع: المتوسط

Les prédateurs du Kremlin 1917-2009

Hélène Blanc, Renata Lesnik

Seuil- Paris 2009

357p.