«لقد فقدت شجاعتي كما يفقد المرء نظّارتيه»، هذا ما تعترف فيه الفيلسوفة الفرنسية، الأستاذة في الجامعة الأميركية بباريس، في كتابها الصادر قبل أسابيع تحت عنوان «نهاية الشجاعة».

الشجاعة هي فضيلة الفضائل، كما يرى كثيرون ومن بينهم اليونانيون القدماء الذين اعتبروها في طليعة القيم الإيجابية. لكن الحديث الشائع لدى «أحفادهم» في الغرب الأوروبي اليوم هو بالأحرى عن فقدان الشجاعة وما يترتب على هذا من إحباط لدى النخب والرأي العام ومعسكر اليمين ومعسكر اليسار. هذا ما تبدأ مؤلفة كتاب «نهاية الشجاعة» بملاحظته والتعرّض انطلاقا من هذا التشخيص إلى مناقشة مفهوم الشجاعة.إن المؤلفة تبحث في المستوى الفردي للشجاعة ثم توسّع منظور البحث إلى المجال الجماعي وميدان السياسة. وفي جميع هذه الحالات الفردية منها والجماعية يؤدي فقدان الشجاعة، برأيها، إلى فقدان قدرات التحرّك، بل والعجز عن إرادة أي شيء.

مثل هذه الحالة يواجهها البشر وتواجهها المجتمعات عامّة في لحظة ما من مساراتهم التاريخية. وهذا ما تسميه المؤلفة بـ «نهاية الشجاعة». لكن المهم هو كيفية تحويل هذه الحالة من الإنهاك وفقدان الثقة بالذات إلى قوة لمواجهة المستقبل.

وتتمثل الصفة الأساسية التي تحددها المؤلفة في تشخيصها للحقبة الراهنة في أنها حقبة «تحويل كل البشر وكل الأشياء إلى أدوات» و«اختفاء الشجاعة».

لكن المشكلة ـ المعضلة هي أنه لا يمكن للديمقراطيات وللأفراد البقاء في وضع من يتأمّل عجزه. إذ لا يمكن الرضوخ لهذا «الاستعباد الأخلاقي والسياسي». لكن بالمقابل ليس من السهل مقاومته، كما تشير المؤلفة.

وأمام هذا الوضع لا بد للمجتمعات المعنية من العمل على تجاوز هذه الحالة من القلق واستعادة الاسترشاد بـ «فضيلة الشجاعة».. هذا المطلب ملحّ وضروري، كما تشرح المؤلفة، بالنسبة للأفراد وبالنسبة للمجتمعات التي تواجه اليوم حربا اقتصادية طاحنة.

ذلك أن الوسيلة الأفضل والأضمن لمواجهة التآكل الذي تعاني منه الديمقراطيات هو منظومة الشجاعة وإعادة العمل على أساسها باعتبارها فضيلة ديمقراطية بامتياز.

إن المؤلفة تصف الحقبة الراهنة من تطوّر المجتمعات الديمقراطية أنها تفتقر إلى الشجاعة وتشير إلى أن الديمقراطيات تقوم بعملية ضبط آليات عملها عبر تعاقب الحكومات والتأكيد على استقلالية وسائل الإعلام والمحافظة على المؤسسات والمثابرة على ممارسة العمليات الانتخابية الأكثر تمثيلا وغير ما هناك من آليات معروفة. لكنها ترى أن هذه المجتمعات قد استهلكت القيم التي قامت عليها بحيث أنها تركز اليوم على قيمة واحدة هي قيمة الفائدة.

ولا تتردد المؤلفة في القول إن المجتمعات الغربية اليوم مصابة بما تسميه «القصور الديمقراطي». ذلك أنها تقوم على المستوى العملي بنوع من التلاعب و«التحوير» لمبادئها نفسها. وهنا تحدد القول أيضا أن الشجاعة، كفضيلة خاصّة وعامّة، يمكنها أن تكون أداة لحماية هذه المجتمعات من «القصور الديمقراطي» الذي تعاني منه.

والشجاعة بالمعنى الذي تكمن فيه أهميّتها بالفعل بحد ذاته وليس بما يمكن الحصول عليه «جزاء» هذا الفعل. لكن إذا كانت الشجاعة المقصودة لن تهتم ولن تساعد بالنجاح الذي قد يبحث الإنسان عنه فإنها تهتم بـ «سلامه» الداخلي. إنها تؤمّن القوّة الأخلاقية التي تسمح للمرء أن يبقى محتفظا بكرامته وأن يكون عادلا مع الذات ومع الآخرين.

ومن هنا تصف المؤلفة الشجاعة على أنها «المسألة الجديّة» الوحيدة في الحياة. والشجاعة تسمو على المغامرة والتهوّر والبحث عن الشهرة. إنها أكثر تطلّبا فهي لا تنتظر المجد ولا الانتصار.

الأمثلة الكثيرة المتكررة لأولئك الذين مارسوا فضيلة الشجاعة تخصّ في أغلبية الأحيان بشرا بعيدين عن الشهرة ولا تعني أسماؤهم أحدا وقد لا يعرفهم أحد.

إنهم يشكلون «حالة من التمسّك بما يعتقدونه الحقيقة» مثل أولئك المقاومين الذين يرفضون الحديث مع العدو والبوح بالأسرار مهما تعرّضوا للتعذيب وأولئك الفرنسيين الذين لم يترددوا في إلقاء أنفسهم على الدبابات الألمانية أثناء الاحتلال النازي وأولئك المرضى الذين يواجهون المرض حتى اللحظة الأخيرة وغيرهم من الذين يعيشون حالات مماثلة.

وتميّز المؤلفة بين القواعد العملية والمعايير النظرية للشجاعة وللشجعان. من الناحية العملية تحدد الشجاع بذلك الذي يرفض السقوط ويتمسّك بالحيوية ويبحث عن مكامن القوة حيث تتواجد.

أمّا على الجانب النظري فيتم تحديد معايير أن يكون الإنسان شجاعا باختيار أن يعيش كل أشكال خوفه بدلا من أن يدفع للاعتقاد أن لا شيء يمكن أن يخيفه.

المطلوب في كل الأزمنة والحالات هو عدم الاستسلام للكآبة وعدم ترك الآخرين يحددون شروط حياته. أمّا «التكتيك» الذي تؤكّد المؤلفة عليه فيتمثّل في الانتصار يوميا على الأعداء «الصغار» بدلا من انتظار المناسبات الكبرى لتحقيق الظفر الكبير.

وتؤكّد المؤلفة على مقولة مفادها أنه إذا كانت الحياة هي موت مستمر لما مضى فهي أيضا ولادة مستمرّة لما هو قادم. لذلك ينبغي أن تكون الشجاعة هي الأساس الذي يجعل البشر يعرفون كيف يعيشون حياتهم. ثم إن المرض الأكثر خطورة و«الأكثر وحشية» هو ازدراء الكائن الذي يعيش في داخلنا.

والمسألة ليست متعلّقة بالأفراد فقط ولكن بالجماعات والمجتمعات. ذلك أنه لا يمكن أن تكون هناك حياة أخلاقية ولا حياة ديمقراطية دون امتلاك الشجاعة التي تسمح بقول الحقيقة كلّها. هذا مهما كانت هذه الحقيقة جارحة بالنسبة للذي يستقبلها ومهما تكن درجة المشاكل التي يمكن أن تسببها للذي يصدرها. «نعم إن الحقيقة، مثل الحب، زاخرة بالمخاطر».

وتكرّس المؤلفة العديد من الصفحات الأخيرة في الكتاب للحديث عن الشجاعة في عالم السياسة. وهي توجّه اتهامها للقادة السياسيين الأوروبيين بأنهم يفتقدون إلى الشجاعة غالبا. ما تلاحظه هو أن الأفراد العاديين لا يأبهون كثيرا بالشجاعة ذلك أنها غير «نافعة» برأيهم ولا مردود لها. لكن رجال السياسة يقومون في أغلب الأحيان باستخدامها كأداة.

وهم «يمسخونها» غالبا إلى قوالب مثل «قول الصحيح» والجرأة على القيام بـ «قطيعة» و«تجاوز المحظورات». لكن القيادات السياسية التي «لا تقدّم غالبا المثال الجيّد في هذا المضمار».

وكما أن فقدان الشجاعة له آثاره السيئة في عالم العمل فإن له أيضا آثارا شبيهة في عالم العمل والتربية. بكل الحالات وفي مواجهة كل أشكال الخلل في المجتمعات الأوروبية الديمقراطية ترى المؤلفة في فضيلة الشجاعة قوّة الضبط الأهم.

الكتاب: نهاية الشجاعة

تأليف: سينتيا فلوري

الناشر: فايار باريس 2010

الصفحات: 204 صفحات

القطع: المتوسط

La fin du courage

Cynthia Fleury

Fayard - Paris 2010

.p402