«شباك أم رضا» كان أحد شبابيك الانتقام الطازجة. حين ذهب شاعر العامية المصري أحمد علي، لينشر قصيدة له بهذا العنوان في احدى الصحف، فنُشِرت باسم آخر تمامًا، وهو كمال حسن، سيقرر الشاعر أحمد الانتقام من هذا الاسم المزور، فيكتب قصيدة في هجائه، يتهم كمال حسن بأنه يسرق منه كل شيء جميل، هذه أحدث حالات الانتقام بالكتابة، لكنها تطرح سؤالاً كبيرًا عن محاولاتنا لاستخدام الكتابة للانتقام من الذين أغضبونا بشدة في حياتنا.
قد تكون الكتابة كلها انتقام، كما يقول الشاعر المصري صبحي موسى، فرغم كل معوقات النشر «تزداد الرغبة في الكتابة لدينا، لنصدر أكثر ممن سبقونا، أعمالاً متلاحقة دون تريث، ونحرص على وضعها في كتب، وكأننا نتخلص منها دفعة واحدة، لأننا غاضبون، وليس أمامنا غير الكتابة كي نُنَفث فيها عن هذا الغضب. قصص تطهر أتصور أننا نكتب كنوع من الرفض، كنوع من الإصرار والمكابرة والتعالي، فكلما تم رفضنا، كنا أكثر رغبة في الكتابة، وكأننا نبصق في وجوه كارهينا.
لدينا رغبة في قهر من يحطمونا بسخريتهم، فنحطمهم بكتابتنا والسرعة في إصدارها كوثائق ممسوكة باليد وأرقام الإيداع. ومن ثم فنحن في غالبيتنا كتاب رغم أنفنا، لأنها الوسيلة الوحيدة، التي يمكننا أن نرفع بها أنوفنا قائلين: (نحن مختلفون ولو كره الكارهون). تشفي وصفعة بالكتابةقصص أخرى للانتقام عند الروائي المصري الطاهر شرقاوي: «بشكل ما يمكن اعتبار أن أحد دوافعي للكتابة هو الانتقام أو تصفية حساباتي مع الحياة، أو هي طقس للتطهر والاعتراف». أكد شرقاوي الفكرة نفسها في روايته «فانيليا»، التي كتب فيها:
«لاحظ الولد أن كل محاولات كتاباته السابقة، كانت مرتبطة بمروره تحت وطأة قهر ما يقع عليه، وأنه بداخله لا يكتب من أجل الكتابة، أو الشهرة، أو جذب انتباه الفتيات، أو أن الكتابة بالنسبة له تعني الحياة، كل هذه الأشياء لا تعنيه، ولم ترد بخاطره ذات يوم، الأمر ببساطة شديدة، أنه يكتب لكي ينتقم. نعم.
الانتقام هو الشهوة المحركة للكتابة، الانتقام من كل شيء، ومن أي أحد، بدءا من محصل فواتير الكهرباء، وبائع الفاكهة الغشاش، ومخبر الحكومة، إلى الأتوبيس الذي يتعمد التأخير عندما ينتظره في المحطة، وتصريحات الوزراء في الصحف، وأيضا البنات مشعلات الحرائق».
تشفي وصفعة بالكتابة
لينتقم الأدباء بذلك من كل الهزائم التافهة والصغيرة التي تؤلمهم، كما أكدت كاتبة إنجليزية: «أستخدم شخصيات من يغضبونني في القصص، وأجعلهم أغبياءً. ففي احدى المرات أُعجِبَت امرأة بزوجي، وبدلاً من أن أؤذيها بأي صورة، كتبت قصة عن الموقف كله، مستعملة أسماء خيالية، ولكن في عين عقلي، كانت هي خصمي في القصة.
هناك أناس نريد صفعهم في حياتنا، لا تفعل واكتب، سيجعلك ذلك تتحسن، ويصنع لك قصة رائعة». الأمر نفسه تفعله الكاتبة السعودية زينب حفني، كما تذكر: «أعترف بأنني لا أمارس لعبة الانتقام في حياتي بل وأجهل أصولها! لكنني ألجأ إليها من خلال قلمي الذي أمدني بطاقة هائلة لتفجير شحنات غضبي، وفتح أمامي فجوة كبيرة لتحقيق أحلامي على الورق!
فعندما يخيب ظني في أناس، أشوه صورهم وأتشفى فيهم وألعب بمقدراتهم وأضع نهايات قاتمة لحياتهم في رواياتي. وكم من شخصيات مثالية تمنيتُ أن ألتقي بنماذج منها فخلقتها واستمتعتُ بصحبتها وحاورتها وحاورتني وجعلتُ خاتمتها جميلة.
وكم من أفراد تمنيتُ أن أراهم ناجحين لكنهم سقطوا ضحايا لظروف حياتهم القاسية، فأخذتُ بأيديهم وأريتهم ممرات آمنة يدلفوا منها إلى حيوات مضيئة».
وتفسير هذه الحالة من وجهة نظر إحدى الكاتبات المصريات هو أن «الكتابة انشقاق من فعل التدمير، ولحظة الكتابة هي لحظة اغتيال الواقع، وحين يكون الصدق قرينا لهذه اللحظة، فلابد أنك ستسمع ارتعاد الآخرين، الذين أسهموا في اضطرارك لاستعمال أدوات أشد قسوة في التعامل معهم، حتى لو جاء ذلك بالكتابة».
جريمة روائية
قسوة مشابهة جعلت من امرأة استرالية كاتبة بعد أن كانت تعمل في مطبخ بأحد المطاعم، حيث كان رئيسها في العمل أحمق، مما دفعها لتكتب عنه بتوالي الأيام قصصا مريعة، وفي يوم اكتشفت أنه يمكنها قتله كليا في رواية، بدون الذهاب للسجن.
وتحولها لكاتبة في تلك اللحظة، كونها لم تعد قادرة على العمل مرة أخرى في المطعم! لتمارس بذلك ما ذكره الكاتب المصري عزت القمحاوي: «يبدو الانتقام سببا معقولاً جدا للإبداع، الإبداع القصصي بشكل خاص، هو وسيلة حلوة للمقاومة، ودليل على تجدد الحياة، أو القبول برهانها وورطتها».
حتى الأفراد العاديين ينتقمون على الورق لعجزهم في الواقع، كحادثة عام 2001، حين تم تحديد إقامة مراهق ـ 16عاما ـ بتهمة التهديد بالقتل، لأنه كتب في حصة الدراما قصة عن صبي يقرر الانتقام من زملائه في المدرسة، لأنهم يضربونه.
وقال والدا المراهق إنه كتب القصة بعد أسبوع من مهاجمة 11 شابا آخر له في المدرسة. وأثارت هذه الحادثة تساؤل إذا ما كان كل مؤلف سيُسجن لكتابة قصة عن العنف، خاصة لو كانت انتصارا لعجزه.
ربما استطاع الانتقام صنع قصص رائعة جدا، لأنه نبع من إحساس حقيقي، فأعلن الفرنسي غوستاف فلوبير ـ على نحو متكرر ـ أنه كتب لكي ينتقم من الواقع، كما فعل الألماني توماس مان، وفقا لما أورده بيتر جاي في كتابه «انتقامات وحشية»، حول انه انتقم في روايته «بودنبروكس» من والده الثري، عضو مجلس الشيوخ وتاجر الغلال، بشجب الرأسمالية.
وذكر بيتر جاي، أيضا، أن البريطاني تشارلز ديكنز انتقم من القضاء البريطاني في «البيت الجهم» (1853)، بسبب قضية عانى فيها عام 1844.
إسقاط
ويكون بهذا رجال السلطة ـ بكل ما يحملونه من وجوه قبيحة ـ مادة للانتقام، كما ظهر لدى الروائي العراقي ضياء الخالدي، الذي أكد: «يقوم المبدع في بعض الأحيان بالنيل من الواقع وشخصياته، بحكم امتلاكه للعالم الذي يصنعه على الورق.
فتراه يُفرِّغ انفعالاته المحسوبة وأمنياته المؤجلة بشخصيات حقيقية، يراها غبية وعدوانية وممتلكة لسلطة جاءتها بسبب ظرف معين، أو حتى مثقفة، لكنها بوعي لا ينفتح على الآخر.
طبعا يبقى كل ذلك وفق الضرورة الفنية وقوانين النص، فخلافه هو الفشل وصنع بناء سردي غير مقنع. لقد نلت مثلاً من رجل السلطة في روايتي الوحيدة (يحدث في البلاد السعيدة) عام 2006، ولكن دون مبالغة، ولم أسمح لقرفي من جهله أن يلوث العمل ويسقطه في الافتعال.
الصورة المعروفة لرجل السلطة ليست في العراق وحسب، فكل بلاد العالم الثالث انتجت شخصا أميا في مركز يهابه عامة الناس. كنت كلما أخطو معه أثناء الكتابة يزداد شعوري بالسخرية، وانتظر مصيره النهائي بالسقوط المريع.
أسمح له بأن ينطلق دون كبح شهوته، وأعطيه ما يريد، على أمل دفعه إلى خانة ضيقة. فلا غفران طالما أن سلطة النص بيدي. ذلك على الأقل انتصار يُشعر ذاتي بنشوة لا أجدها في الواقع، وإنما في مملكة البياض على الورق.
إنسان السوء لا يمكن مواجهته إلا على الورق. تلك الساحة التي يمتلكها الأدباء والمثقفون وحدهم. بينما هو يمكنه أن يكسر الأقلام وينهي الخيال برصاصة واحدة تُطلق من شارع حقيقي وليس وهميا، كالذي نصنعه على البياض»!
الانتقام بالكتابة قد يعالجنا أيضا، يجعلك تنجو بنفسك من أن تصبح مجرد ضحية، كالكاتب الإيرلندي من أصول ألمانية هوغو هاملتون، فقد كتب انتقاما من والده، وانتقاما من كل الناس: «كنت مطاردا بالناس الذين ينادوني بالنازي، لم أحس بالراحة أبدا في ايرلندا، لم أشعر باكتفاء أبدا، لم أكن أيرلندياً مثلهم، ولست مرحاً مثلهم. طوال الوقت أمارس تأملي وانطوائي.
الوقت الوحيد الذي قد أنجح فيه، هو عندما أجلس على مكتبي، الأمر الأهم في الكتابة هو التخلص من كوننا ضحايا طفولة. فلو بقيت هذا الضحية، سيدمرك ذلك. فقد كنت غاضبا من أمي لكونها ألمانية..
لانتمائها لهؤلاء الناس بما ارتكبوه من أشياء مريعة، فلا تستمر في الإشارة إلى الماضي وتاريخ أجدادك، عليك أن تعرف كيف توقف ذلك، قائلاً لماذا أستمر في جعل الآخرين ضحايا؟.
إذا هكذا نرى أن الكتابة تصبح بذلك طريقا آمنا للتصالح مع الماضي واللحظة الراهنة. وتفرِّق الكاتبة المكسيكية أبريل دونكان بين فعل الانتقام وكتابة الانتقام، قائلة:
«كلنا جُرحنا بواسطة البعض، عبر كلماتهم.. أفعالهم، وربما برز الثأر في عقلك لكن هناك فرقا بين البحث عن الانتقام وبين مجرد التفكير فيه. شخصياتك، أيضًا، تحس هذه الأحاسيس، وتحويل أفكارها لخطة فعلية للانتقام هو فن حقيقي. لذا هيا نبدأ الرسم».
لا للانتقام
يرفض بعض الأدباء فكرة الانتقام عبر الكتابة، فيقول الروائي المصري أحمد أبو خنيجر: «الكاتب يجب أن يكون إنسانا أكثر من ذلك، لا يكتب لينتقم من الآخرين، وعليه أن ينظر للمعاناة التي بداخلهم».
ويشاركه الرأي الروائي السعودي صلاح القرشي: «الانتقام هو العامل الأكبر والأهم في حركة التاريخ، على الأقل هو العنصر الثابت دائمًا، هذا رأي بطل روايتي (تقاطع)، أما كاتب الرواية فهو لا يعتقد أن الانتقام يمكن أن يكون دافعا للكتابة، لأنها في هذه الحالة ستكون كتابة رديئة» .أكد الفكرة نفسها الشاعر الليبي محمد القذافي، قائلاً:
«حاولت منذ زمن الانتقام عبر الكتابة، لكنني لم أحبذها لاحقًا، لأنها في رأيي ستطغى على الموضوع، وربما تضر به إبداعيا وفنيا، وحتى على مستوى الإحساس الداخلي والعام».
كما يتفق الكاتب المصري محمد الفخراني مع هذا الرأي: «أي شخص سيء لن يدخل العمل الروائي بأفعاله الواقعية، بل أنقله لمنطقة أخرى. فالكتابة عالمي أنا، ولن تدخل شخصية بشروطها بل بشروطي أنا ككاتب، لأن شرط دخول أي شخص لعالمك هو أن تكون تحبه، فيدخل بمحبة للورق، خاصة وأن أي شخصية في روايتك تأخذ شيئا من روحك».
ياسمين مجدي


