يؤكد د. محمد محمود أبو غدير، أستاذ الدراسات الإسرائيلية والأدب العبري في جامعة الأزهر بالقاهرة، أن حركة الترجمة في العالم العربي متدنية تماماً في الوقت الراهن، وهو ما يدعوه إلى التشديد على المطالبة بوجود جهاز عربي متكامل للترجمة يمول من أكثر من دولة، وتُوضع له أهداف وخطط .
كيف تنظر إلى حال الترجمة اليوم ؟
حركة الترجمة في العالم العربي متدنية تمامًا، في الآونة الأخيرة، وذلك رغم وجود كفاءات بشرية قادرة على التعامل مع مختلف لغات العالم، لكن وقبل أن أتحدث عن واقع الترجمة في العالم العربي، أحب أن أشير إلى تجربة الأمين والمأمون في بيت الحكمة؛ فلولا التراجم التي قام بها المأمون بن هارون الرشيد، لما قامت في العالم العربي هذه النهضة الفكرية، ونحن حتى الآن نتباهى ونفتخر بهذه الترجمات.
وضع متردٍّ
هل تعتقد أن مشروع ترجمة الألف كتاب للدكتور جابر عصفور يمثل خطوة على الطريق في هذا الصدد؟
يكفي أن أذكر لك، أن مجموع إنتاجنا على مدى الحضارة الإسلامية وحتى الآن لا يزيد على ال10 آلاف كتاب في الترجمة، بينما إسرائيل، الدولة التي لا يزيد عدد سكانها على الخمسة ملايين نسمة، تنتج في العام الواحد بمتوسط 5 آلاف كتاب مترجم، أي أن ما تنتجه إسرائيل في عام ينتجه العالم العربي في 50 عامًا.
برأيك من المسؤول عن هذا الوضع المتردي للترجمة؟
لدينا قدرات مادية وبشرية، ولكن ليس لدينا من يُوجِه هذه القدرات، وفي أحدث تقرير ل«اليونسكو» قالوا: «إن لدى العالم العربي أكبر قاعدة بشرية من المترجمين في مختلف لغات العالم»، إذن الذي ينقص العالم العربي وجود عمل ينظمه جهاز يمول من أكثر من دولة عربية، وتوضع له أهداف وخطط تخدم العالم العربي والإسلامي وليس دولة بعينها.
ولكن في ظل الوضع الذي نعيشه في العالم العربي الآن، هل نستطيع أن ننشئ هذا الجهاز؟
أشك في هذا كثيرا، فنحن في الجامعات ليس لدينا أي ميزانية للترجمة على الإطلاق، وأي أستاذ جامعي يريد أن يترجم كتابا، يترجمه على حسابه فقط أو يجلس ساكنا، بذا فإن عملية الترجمة في العالم العربي راهنا، تقوم بجهد فردي، أما دور النشر فتبحث عن ترجمة الكتاب الذي يُباع بأعداد كبيرة، والغريب أن إسرائيل فطنت لهذا الوضع، فأنشأت في منتصف السبعينيات ما أسمته «معهد ترجمة الأدب العبري والكتابات العبرية إلى لغات العالم».
سلاح مهم
وما تفسيرك لترجمة إسرائيل معاني القرآن الكريم؟
ذلك لأنها تُدرك أن أهم وسيلة لفهم الإنسان العربي، ومعرفة نقاط القوة لديه، هي ترجمة معاني القرآن الكريم «الكتاب الديني الأول» عند المسلمين، ولكن حتى هذه اللحظة، ورغم وجود العشرات من اللغات التي تُرجمت إليها معاني القرآن الكريم، مازالت ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبرية هي (صناعة إسرائيلية).
ألا تؤيد الرأي القائل إن الترجمة سلاح مهم والعرب لا يُحسنون استخدامه؟
هل تعلم أن عشرات الآلاف من المسيحيين الأوروبيين اعتنقوا الإسلام؛ لأنهم استطاعوا أن يفهموا الدين الإسلامي من ترجمات جيدة؟ ومن هنا تبرز أهمية الترجمة ك«سلاح»، ولكن للأسف، العالم العربي لا يُحسن استخدام الترجمة، بينما الطرف الآخر لديه صناعة كاملة ومتقدمة في هذا المجال.
كيف ترى تأثير الثقافة العربية في إسرائيل، والعكس أيضا؟
أولاً: ليس هناك ما يسمى «الثقافة الإسرائيلية»، حيث إن الإسرائيليين يمثلون 80 ثقافة مختلفة، فالذي جاء من «روسيا» هو ابن الثقافة الروسية وهكذا، والذي جاء من مصر هو ابن الثقافة العربية، فلا يوجد أي تأثير من الأدب العبري أو الكتابات العبرية في الأدب العربي، ولكن للحقيقة أقول: إذا كان هناك تأثير ضمن هذا المجال، فهو ينحصر في الكتابات العلمية المتخصصة، من طب، ودراسات في الذرة، والعلوم التطبيقية.
لغة «الروشنة»
تؤكد دائمًا أن الخطر على لغتنا العربية يأتي من الداخل، ماذا تقصد تحديدا؟
وسائل الإعلام العربية تستخدم لغة متدنية تسمى لغة «الروشنة»، أما في إسرائيل فقد صدر أخيرا قانون يُحرِم استخدام اللغة العربية على أسماء الشوارع والمدن حتى لو كانت فلسطينية، ويفرض تحويلها إلى اللغة العبرية، ويكفي أن تعرف أن (مَجمَع اللغة العبرية) في إسرائيل يصدر كل شهر نشرة بالكلمات التي تمت «عبرنتها»، وجميع الصحف ووسائل الإعلام هناك تنشرها يوميا؛ حتى يستفيد منها الصحفيون، ورجل الشارع.
وماذا عن مجمع اللغة العربية في مصر؟
لدينا مجمع للغة العربية، لكن إنتاجه يظل في المخازن؛ لأن وسائل الإعلام في مصر لا تستغل ما يصدره مجمع اللغة العربية، إذن في إسرائيل لديهم مشروع قومي يدعو للحفاظ على الدولة.
ولولا اللغة العبرية لما قامت الدولة، ولو ضعفت العبرية - كما يقولون - لانتهت الدولة؛ فاللغة العبرية عمرها 90 عاما فقط؛ واستطاعت أن تترجم ترجمات علمية وأدبية.
كيف ترى الإسرائيليات الموجودة في التفاسير الإسلامية؟
هناك شيء خطير لا أجد مبررا لاستمراره، وهو وجود الإسرائيليات في العديد من التفاسير القرآنية، وقد ذكر لي أحد الأساتذة الكبار بجامعة الأزهر أن لديه أكثر من مئتي رسالة ماجستير ودكتوراه واقتراحات في هذه النقطة، لتنقية هذه التفاسير من الإسرائيليات، ولكن للأسف لا يتم استغلالها على أرض الواقع، ولا أدري لماذا لم يتم البدء بهذا المشروع في العالم العربي والإسلامي.
معايير علمية مدروسة
ما مدى تأثير هذه الإسرائيليات في الثقافة العربية؟
بعض القراء غير المتخصصين أصبحوا يصدقون ما يقال من ادعاءات اليهود أن القرآن الكريم وجميع الأفكار التي وردت فيه، ما هي إلا أفكار يهودية، وبعض الشباب حينما يقرؤون أن أفكار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مستمدة من اليهود، لأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،.
كما يدعي الإسرائيليون، تتلمذ على يد بعض الحاخامات اليهود، فإن هذا يصنع نوعا من الخلل، وأنا ألاحظ هذا موجودا لدى بعض من أقوم على تدريسهم، وذلك خاصة عندما يقولون إن كثيرا من الأفكار الواردة في القرآن وردت في العهد القديم، وإننا أخذنا منهم.
بذا تجدنا نأخذ في إقناع هؤلاء الطلاب بالحقيقة، حتى لا ينساقوا وراء هذه الأباطيل. وأعتقد أنه يتوجب علينا أن نقوم بإنقاذ جيل «العولمة» الذي يستمد ثقافته من الإنترنت.تَبنَى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مشروعًا لترجمة معاني القرآن إلى العبرية، فأي مستويات ودرجات قطعها؟
هذا المشروع تم إيقافه على حد علمي، والسبب من وجهة نظر المسؤولين يعود إلى تساؤل تم طرحه وإثارته بإلحاح خلال اجتماعاتهم؛ وهو: كيف ننفق مئات الآلاف من الجنيهات لنترجم لقوم لا يزيد عددهم على ثلاثة ملايين نسمة؟ وبناءً عليه أوقف المشروع، بزعم أن المتلقي غير موجود - على حد قولهم - وذلك رغم استمرار العمل فيه سنة كاملة.
أمِن المعقول أن يتم وأد هذا المشروع الذي يهدف إلى نشر الإسلام، ومعرفة لغة القرآن لدى عامة الإسرائيليين الذين لا يرون الإسلام إلا من خلال إعلامهم؛ الذي يصور المسلمين على أنهم إرهابيون؟ أظن أن هذا غير مقبول مطلقا.
ما هو الإطار والنموذج الفكري العلمي الأنجع للترجمة في تصورك، بهدف أن يرانا الآخرون، ونتواصل معهم ويتواصلون معنا؟
الطريق سهل جدا، فحتى نصل إلى هذا الآخر؛ المستعد والجاهز عادة لاحتضان وتقبل من يصل إليه، لا مفر من أن نلتزم بمعايير عمل علمية مدروسة ومحكمة، ومثالنا هنا إسرائيل التي استطاعت أن تصل إليه بترجماتها في لغات العالم جميعا، فأنت تعيش في أوروبا - على سبيل المثال - وتجد كتابا يأتي إليك في البريد بلغتك.
فعندها لن تتردد في أن تقرأه؛ هكذا نرى أن إسرائيل استطاعت نقل أدبها العبري الضعيف إلى مختلف أرجاء العالم، والآن أصبح الأدباء الإسرائيليون يحصلون على مراكز متقدمة في شتى الجوائز العالمية، بفضل الترجمات التي تُنشر لهم عالميا، فما بالك بالأعمال الأدبية، والكتابات الدينية العربية إذا، في حال وصلت إلى أهدافها، وهو المتلقي الأوروبي؟
لماذا لا نفعل ذلك؟ يجدر بنا الآن أن نكف عن الكلام، وأن نتبع سياسة مفادها سؤال مهم: كيف نصل إلى الآخر، بينما هو مستعد أساسا لتلقي ما نقدمه إليه؟
دارالاعلام العربية
