الكأس: قدَحُ إكسير حياة أخرى، يكون الاغتراف منها بصرياً ليس إلا، يكون الامتلاء على قدر المجهود الروحي الذي يكثّف في اسمه إرادات أفراد وأفراد على مستوى أمة بكاملها، تمدها بشعور دافق بحياة محلوم بها!
المسافة بين الكأس والقدَح أكثر من كونها حسابية. تبقى الكأس كأساً ما بقيت فارغة، تستحيل قدحاً وقد امتلأت، أما عن السائل الذي يجعل الفراغ ملئاً، فهذا يتعلق لا بنوعية السائل فحسب، وإنما بالقيمة الذوقية والرمزية له.
نحن موزعون بين كؤوس بأحجام وأصناف وضمن مناسبات شتى، كؤوس موزعة بين أقصى الذاتية: أليس لكل منا أحياناً كأسه التي يشرب الماء أو الشاي أو العصير وغيره بها، وفي البيت أو المكتب تحديداً؟ وأقصى الموضوعية حيث تختلف الكأس باختلاف المناسبة وفكرة المناسبة، والجهة المعنية بها، ومكانة الشخص...الخ.
الكأس الاحتفالية فارغة، وهي فارغة دائماً خلاف الكؤوس المعتادة لأن الذي يجعلها مملوءة أو طافحة بمادة سائلة ما، يراها من يحملها فقط من باب الاستحقاق أو يمنحها لسواه ، محط أنظار كثيرين وهي تتراءى عالياً ببريقها، كما لو أن البريق هذا يحل محل السائل المألوف، وتفيض الكأس به نافوراتياً.
في النظر إلى الكأس، تتراءى سلسلة طويلة من المقاصد ومناسباتها! إن العبارة ذات الطابع الهتافي المتوسط: كأسك! تتعلق بمقام المعني بالكأس، جمعاً أو فرداً، فنحن إذاً بصدد كأس مأخوذة بقيمتها الفعلية على صعيد المادة التي صنعت منها، وهذه بالكاد تُذكَر. ثمة الكأس التي تكون مرئية خارج ماديتها، أي ذات الصلة بما هو اعتباري وطني أو قومي أو عالمي، لتكون الكأس عابرة للحدود، ليكون الذين يستحثون الخطى سعياً وراء الكأس، لأن ثمة رهاناً مشتركاً عليها، لأن القيمة الرمزية لها تجاوز بما لا يقاس مجمل القيمة الفعلية لما هو مألوف لدينا..
بين كأس تُرفَع تحية لشخص ما، وأخرى ترفع تقديراً لروح أحدهم، وثالثة يتركز النظر إليها، وهي تتصدر واجهة إعلامية وعلى أعلى مستوى، يمكن تعقب خطها الحركي وهي رحالة في التاريخ وإلى ما وراء الحدود.
بين الكأس الخدمية وفي إطار ذوقي معين، والأخرى المقدمَّة لأكثر من شخص حسب نوعية المكان، وتلك التي ترتقي إلى مستوى مثال عظيم وتجسيده، يتدون تاريخ عالم كامل موزع بين نهم الغريزة وتجلّي الروح المثلى!
إننا هنا محصورون بين الكأس المقدمة لسقراط ومحتواها السمّي، وما تخيَّله سقراط وهو يتجرعها باعتبارها كأساً أخرى، وقد جرى التغيير فيها. كأس لم تكن نخب صحته، وهو قد رفعها إلى فمها نخب روح حرة فيه.
محصورون بين أقصى الحسية للكأس: الكأس الشخصية، وأقصى التجريد: كأس الوطن، كأس العالم، وهي حكاية ارتحال الكأس التي يُصغى إليها بصرياً، ليكون المرئي لغة أبعد من حدود المسموع..
تشير الكأس الرمزية في محتواها إلى السائل المناظر للدم الخفي عن الأنظار، الجاري في الأوردة، لضرورة حياتية كما هو السائل الطبيعي نزيل عروق الأرض، والسائل هذا يتوسط المسافة ما بين الصلب خارجاً، والقابل للتبخر واللامرئي كما هو الهواء، لتكون الكأس ترجمان العنصر الوردي في تمثيله لما هو كوني..
لكَم هي الكؤوس كثيرة في حياتنا اليومية، إنما أي كأس من بينها تستحق رفعها، أو أخذ صورة تذكارية معها؟
لكأننا فيما نقوم به نتذوق ما في كأسنا اليومية، لنختبر قوانا الحقيقة من أجل كأس غير متاحة لأي كان بسهولة!
نعم، نعم! لقد وجِدت الكأس لأنه كان عليها أن توجِد، أن تؤدي أكثر من دور، لها قاعدة وكأنها لا تتوضع في مكان معين، كروية كانت أم على هيئة الأرض نوعاً ما بقدر ما تضفي على المكان نفسه صبغة كوكبية استثنائية.
ميزة الكأس الكبرى هذه، هي في اعتبارها تحمل طابعاً من الجمالية الخاصة، بين التكوير والامتشاق، والتثنية، والارتقاء، كما هو شأن المتنافس عليها، في جملة ألعابه ذات الصلة بجماليات الجسد الممشوق: الرياضي.
تُرفع الكأس في الهواء وهي في قاسمها العالمي: الكوني، وكما هو متَّفق عليه لينظر إليها على أنها أطلس كوني ممتلَك، ليكون الفراغ القائم فيها أكثر من اعتباره الفضاء الذي يحلق فيه أحدهم إلى ما وراء تخوم الأرض، كأس محتضَنة بهيئة ذراع: ساق شجرية، جسد كوني رشيق يوحي بأصول ثابتة في الأرض. القاعدة في الأعلى ارتقاء إلى رحابة تبرق في كل جهة تماثل فكرتها نخب كرة عالمية، وفي الوسط تصل الممرات بين القاعدة والقمة!.
الكأس: قدح إكسير حياة أخرى، يكون الاغتراف منها بصرياً ليس إلا، يكون الامتلاء على قدر المجهود الروحي الذي يكثّف في اسمه إرادات أفراد وأفراد على مستوى أمة بكاملها، تمدها بشعور دافق بحياة محلوم بها!
لا أحد هنا، يمكنه التنكر للطرق والأساليب التي تستولدها شهوة تلمُّس الكأس على قدر أهميتها، وتلك الخطط المختلفة التي توضَع وتطبَّق من أجلها، ربما نشهد التفافاً على الحقيقة المتعلقة بالكأس ومن يستحقها بجدارة، ربما نمتلك تاريخاً مثيراً، غراثبياً، لا يخلو من شبهات عن هذه الكأس التي تتشابك معايير.
كما تحتدم قوم، وتلتهب حدود جغرافية أحياناً في سبيلها، ولعلها رغم كل هذه الحالات والتدافعات، تظل الجديرة بالنظر إليها، إنما ليس على صعيد الحلم الذي يغيّب صاحبه عن تحديات الواقع، بقدر ما يعزز فيه إرادة مضاعفة، في اللحظة التاريخية الحاسمة، فتصبح جديرة برفعها عالياً، وهي في بريقها المتلفز تفصح على طريقتها عن كوكبية حاملها بامتياز.
أوليس توجيه الأنظار نحو نقطة جغرافية واحدة تخفق القلوب لمرأى كأس العالم فيها تجسيداً لوحدة عالم شاعرية؟ أليست كأس العالم ابتكاراً بشرياً، ينتمي إلى الحلم البشري الجميل تجلوه الكأس هذه لنجومية عالمية!؟
إنها الكأس المختومة، الكأس اللعوب التي توحي بالملء وإن ظهرت فارغة، والفراغ وإن تراءت مملوءة. الكأس التي تنتظر دائماً يداً تقترب منها لتحملها دون تحديد جنسيتها، فهي تجمع بين الأنثى داخلاً والذكر خارجاً، بين حياة متدفقة من داخلها، وموت يذكّر بالقبر بطريقة ما، كأس رحالة في الزمان، وهي تسرد حيوات الذين حملوها والذين حلموا بها والذين ما زالوا يطمحون فيها، ويرحلون وتبقى الكأس، لتكون ملهمة الفن العالمي بامتياز.
ابراهيم محمود
