مدينة «بيرت» هي عاصمة أستراليا الغربية، وأحد أكثر مدن العالم «عزلة». وهي تحتل مساحة تتجاوز مساحة أغلبية مدن العالم الكبرى. أما عدد سكان المدينة فيفترض أن يزداد من 5,1 مليون نسمة اليوم إلى 2,4 ملايين نسمة في عام 2056.
والمهندس المعماري «ريشار ويلر» أمضى عاما كاملا من الدراسات، برفقة فريق من الباحثين معه، لتقديم ما يراه مناسبا للمستقبل العمراني للمدينة، أو على الأقل للمشاركة في النقاش حول ذلك.ما يؤكده المؤلف بداية أنه لا يمكن مواجهة المستقبل ببنى الحاضر، ويرى أنه نظرا لكون أن 70 بالمئة من منشآت المدينة في أفق عام 2050 قائمة اليوم، فإن هذا الكتاب يطمح إلى فتح نقاش أساسي حول وجهة التحوّل في ظل النمو السكاني والتغيّر المناخي. ونظرا لهذا كله «لا يشكل الوضع القائم» خيارا ذا مصداقية، كما يؤكّد.القاسم المشترك الذي يتم التأكيد عليه بين مختلف المدن الأسترالية الكبرى هي أنها كلها تشعر ب«الضيق». هذا في ظل انحسار واضح في البنى الأساسية من طرق وجسور ومرافق عامة وأنفاق ومساكن. ومقابل هذا هناك «انفجار» حقيقي في أسواق العقارات والأبنية.
كما يتم التركيز في هذا السياق على وفود أعداد كبيرة من الطلبة للدراسة في الجامعات والمعاهد الأسترالية وهم يشغلون الكثير من المساكن. وكانت البنوك الأسترالية قد فعلت مثل البنوك الأميركي قدمت قروضا بتسهيلات كبيرة وبفوائد عالية لأصحاب الموارد المتواضعة الذين وجدوا في هذا «فرصة العمر» لامتلاك مسكن. ونتيجة هذا كله لا تزال المدن الاسترالية الرئيسية تعرف حالة من النمو السريع. هكذا ازداد مثلا عدد المساكن في ميلبورن 74000 مسكن جديد خلال فترة 2007-2008 و55000 مسكن جديد أيضا في سيدني بيرت بالفترة نفسها.
هذه الزيادة الكبيرة في عدد المساكن يتم تحديدها كسبب رئيسي في استياء سكان المدن الكبرى الاسترالية، لاسيما أن وسائل النقل أصبحت مكتظّة بالناس وتكتظّ بها الشوارع في ساعات الازدحام اليومي المرتبطة بساعات العمل. هذا ناهيك عن الزيادة الكبيرة والمتواترة لسعر المياه والكهرباء وترافق هذا في تدنّي نوعية الخدمات التي تقدمها المصالح المحلية.
أمام هذه الأزمات «المدينية» كلها الخاصة بالظاهرة العمرانية وما تطرحه في أفق المستقبل ساد الحديث في استراليا عمّا يسمّى ب«النمو الذكي» عبر تبنّي «خطط عمرانية» تأخذ باعتبارها هموم السكان المعنيين إن مؤلف هذا الكتاب.
وبعد شرح المقدّمات العامة لما آلت إليه أوضاع المدن الكبرى في أستراليا الغربية عامة وما يطرحه ذلك من مشاكل حقيقية، يؤكد على أن حالة مدينة «بيرت» تتطلّب تأملا على المدى الطويل لتقديم إجابات ناجعة لهذه المشاكل. وهكذا اختار مع فريقه من الباحثين في المجال العمراني أفق 2050 لتقديم «سيناريوهات من أجل مدينة تنمو بسرعة»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
وهذا الكتاب يتجاوز كثيرا صيغة «التقرير» الذي سيصل إلى مكاتب المسؤولين، كي يشكّل دراسة واقعية «هندسية» لعدد من الإمكانيات التي يمكن اعتمادها. والدراسة مدعومة بمئات الخرائط والصور الجويّة والجداول وغير ذلك من «وسائل الإيضاح». وكذلك محاولة توضيح الإمكانيات وأيضا النتائج المترتبة عليها والتي تنبغي مواجهتها في الحيّز العمراني لمدينة بيرت.
هكذا يتعرّض المؤلف لكل ما يتعلق بالمياه والطاقة والفضلات والنقل والتغذية وغير ذلك من المسائل المطروحة في المدن الكبرى.وتتم الإشارة في هذا السياق إلى التجربة الناجحة التي شهدتها مدينة «كانبيرا» في ميدان النمو العمراني. لكن رغم وصفها أنها التجربة الأكثر نجاحا إلا أن شبكات الطرق تشكّل باستمرار «المحرك الرئيسي» في عملية اختيار مواقع قيام ضواحي جديدة. بالمقابل تظهر أزمة النقل الأكبر حدّة في استراليا بمدينة «سيدني»، رغم أن قطاع النقل العام فيها هو الأكثر كفاءة وفاعلية، خاصة فرع الخطوط الحديدية.
الملفت للانتباه هو أن المؤلف وفريق البحث الذي يعمل معه ـ يحرص على أن لا يقدّم حلولا جاهزة ونهائية على شاكلة «مصانع « كاملة مكمّلة «بالمفتاح». ولكن يتم أولا تحديد المشاكل بصورة منهجية دقيقة وبعد ذلك فقط يتم تقديم مجموعة من الاقتراحات الخاصة بالإجابات الممكنة.
من هنا بالتحديد تتعدد «السيناريوهات»، بل وتصل أحيانا إلى درجة التناقض. لكنها تدفع المعنيين بها إلى التفكير، وربما في منظور الاختيار. هذا على عكس الخطط الجامدة التي تفرضها الإدارات الحكومية وبصورة «تعسفية» في أكثر الأحيان بعموم المدن الاسترالية.
هذا الكتاب الذي يدرس حالة مدينة هي أكثر مدن العالم الكبرى «عزلة» ويقدّم عددا من «السيناريوهات» المكرّسة لكيفية «امتصاص» آثار النمو السكاني السريع الذي تشهده المدينة.
لكن الأفكار التي يتم تقديمها يمكن أن تكون أيضا ذات فائدة كبيرة بالنسبة لجميع مدن العالم التي تواجه حالات شبيهة من النمو السكاني والعمراني السريع والمتسارع. وبهذا المعنى يمكن لهذا الكتاب أن يكون مفيدا لجميع المعنيين من حرفيين وغيرهم ممن لهم علاقة بالخطط العمرانية المستقبلية في بلدانهم وخاصة ممن يهتمون بتنظيم، أو إعادة تنظيم مدنهم بطريقة خلاّقة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
الكتاب: نمو مدينة متسارع
تأليف: ريشار ويلر
الناشر: جامعة واشنطن 2009
الصفحات: 354 صفحة
القطع: المتوسط
Boomtown 2050
Richard Weller
Washington University Press 2009
354 p.

