يشكّل الرأي العام في البلدان الغربية الموصوفة أنها ذات أنظمة ديمقراطية دورا مهما في الحياة العامة لبلدانه وله تأثيره المهم في اتخاذ القرارات السياسية لقارة. والكاتب والمفكّر السياسي الأميركي آدم ج.
بيرنسكي يقدّم كتابا تحت عنوان «في زمن الحرب»، وهو يخص تحديدا «كيفية فهم مواقف الرأي العام الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الحرب في العراق»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.هذا كتاب عن الرأي العام الأميركي والحرب، أو بدقة عن موقف الرأي العام الأميركي حيال قرارات شن الحروب التي اتخذتها قياداته السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حرب العراق، وحيث يتوقف المؤلف طويلا عند «حربين» أثارا الكثير من الجدل في الولايات المتحدة الأميركية وهما حرب فيتنام والحرب الأميركية الأخيرة في العراق.
السمة الأولى المهمة لهذا الكتاب تتمثل في غناه الكبير بالتفاصيل التاريخية التي كانت وراء اتخاذ المواقف العامة. ويمثل هذا العمل بأحد وجوهه عملية «تحقيق» لموقف الرأي العام الذي جرى تجاهله إلى حد كبير فيما يتعلق بدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. ذلك أن قرار التدخل قد تمّ بعيدا عن رأيه إلى حد كبير، أي جرى «تجاهله» عمليا.
ويدرس هذا الكتاب ضمن السياق نفسه موقع ومكانة الرأي العام الأميركي في تحديد السياسات الخارجية للبلاد؟ هذا مع التأكيد في جميع الحالات أن مختلف الإدارات الأميركية حاولت حيال جميع الحروب التي شاركت الولايات المتحدة فيها الوصول إلى الدعم الشعبي لتلك الحروب.
ويعود المؤلف إلى تحليل مقولة «الحرب الجيدة» أو «الحرب الصالحة» التي سادت لدى الرأي العام الأميركي حيال الحرب العالمية الثانية بعد عملية الهجوم الذي قامت به القوات اليابانية على قاعدة «بيرل هاربور» العسكرية الأميركية في المحيط الهادئ ـ الباسيفيكي ـ والتي ردّ عليها الأميركيون بهجوم حاسم ضد اليابان.
ويؤكد المؤلف أن الهجوم العسكري الياباني لم يكن هو الذي أدى إلى «تحوّل» موقف الرأي العام بشكل حاد ولكنه «حرّض» مشاعر نزعة التدخل التي كان يتبنّاها القادة السياسيون الأميركيون حيال المعارك في الخارج.
من الملفت للانتباه أن المؤلف يلجأ إلى الإحصائيات الناجمة عن إجابات على أسئلة من نوع: من يدعم العمل العسكري ومن يعارضه؟ ويصل من «قراءته» للإجابات إلى نتيجة مفادها أن هناك غيابا كبيرا ل«المحاكمة المنطقية» في تكوين المشاعر الشعبية الأميركية حيال الحروب. ومثل هذه النتائج يصل المؤلف إليها من خلال استقرائه لمواقف الرأي العام الأميركي خلال العقود الستة الأخيرة التي تتميز ب«تشابه كبير».
هذا مع الإشارة أن التلفزيون يأخذ دورا متعاظما في صياغة الرأي العام الأميركي. لكن بكل الحالات لا يزال الأميركيون ينظرون إلى الحروب من خلال «موشور هويات الجماعة» التي ينتمون إليها.
ويتم التأكيد بشكل خاص في التحليلات المقدّمة على دور الانتماء الحزبي الديمقراطي أو الجمهوري، على صياغة مواقف الأميركيين حيال الحروب. ذلك في ظل واقع أنهم، أي المواطنين، لا يملكون من المعلومات ما يكفي من أجل إصدار أحكام مستقلة. بهذا المعنى هناك دائما تواكب، إلى درجة التطابق أحيانا، بين مواقف النخب السياسية ومواقف الرأي العام.
ومن الملاحظات التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب واقع أن «ثقافة المعركة» تلقى القبول لدى أغلبية الأميركيين، لاسيما في ظل غياب حركات سلمية قوية. لكن المؤلف يرفض بصورة قاطعة مفهوم «الحرب الجيدة» التي جسّدها دعم الأميركيين للحرب الأميركية ضد اليابان بعد الهجوم على قاعدة «بيرل هاربور». الرأي العام الأميركي وقف آنذاك مع قرار الحرب.
كما فعل أثناء الحرب الأخيرة ضد العراق، حيث كان الرأي العام العالمي مناهضا للحرب إجمالا، إلا في الولايات المتحدة، حيث تستطيع النخب السياسية الحاكمة أن تعبئ أغلبية الرأي العام في سياق توجهاتها.
بكل الحالات يأخذ الرأي العام الأميركي وقتا طويلا قبل أن يسحب تأييده للحروب. وهكذا كان لا بد من سقوط عشرات آلاف القتلى ـ ما يزيد على 50000 ـ الأميركيين كي يتظاهر قسم مهم من الرأي العام ضدها. لكنه الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة ولا ينفيها.
الكتاب: في زمن الحرب
تأليف: آدم ج. بيرنسكي
الناشر: جامعة شيكاغو 2009
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
In time of war
Adam J. Berinsky
Chicago University Press 2009
360p.

