ارتبط تاريخ جنوب إفريقيا الحديث بتاريخ نلسون مانديلا. أولا كسجين لحوالي ربع قرن من الزمن في سجون النظام العنصري «الأبيض» في بلاده ثم كرئيس لبلاده بعد خروجه من السجن ونهاية نظام التمييز العنصري.
وإذا كانت هناك سلسلة طويلة من الكتب حول مانديلا وفترة حكمه فهناك القليل للفترة التي أعقبت ما بعده. و«ما بعد مانديلا» هو عنوان كتاب الصحفي الانكليزي «أليك روسيل».إن المؤلف يعود في بداية تحليلاته إلى بداية عقد التسعينات عندما شرع حزب المؤتمر الإفريقي بقيادة نلسون مانديلا «فترة انتقالية» تاريخية كانت بمثابة الخطوات الأولى نحو بلوغ جنوب إفريقيا مكانة قوية على المسرح الدولي. وقد رأى البعض أن تاريخ جنوب إفريقيا قد «انتهى» عند تلك اللحظة. ذلك على مبدأ القول أن التاريخ قد «انتهى» عندما انتصرت الرأسمالية اللبرالية على المعسكر الاشتراكي بعد انهيار جدار برلين.
وفي جنوب إفريقيا كان انتصار الأفارقة السود ممثلين بحزب المؤتمر الإفريقي «انتصارا على الظلم المرير لنظام التمييز العنصري» وحيث مثّل مانديلا المصالحة التاريخية النهائية بين ماضي جنوب إفريقيا وحاضرها.
إن هذا الكتاب يمثل في أحد وجوهه الرئيسية دراسة لتاريخ جنوب إفريقيا منذ سقوط نظام التمييز العنصري في عام 1994. وانطلاقا من هذا التاريخ-المنعطف في البلاد يتوقف المؤلف أمام جميع الأسئلة الكبرى التي واجهتها.
ويشكل كل سؤال من هذه الأسئلة ملفّا هاما ابتداء من استمرار سيطرة أقلية بيضاء على المفاصل الاقتصادية الأساسية في جنوب إفريقيا وحتى التفشّي الكبير للجريمة بحيث أصبحت البلاد هي أكثر بلدان العالم معاناة من نقص الأمن مع حضور كبير للسلاح على جميع المستويات ومن جميع العيارات في الشوارع.
ومن الملفات الأخرى التي يكرّس لها المؤلف عددا من صفحات الكتاب هناك مشكلة مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز»، كما في بقية البلدان الإفريقية الأخرى.
وملف استملاك الأراضي والنزاعات المتفرعة عنه، وملف العلاقات الاتنية المعقدة على صعيد الداخل، كما على صعيد العلاقات مع الجيران وخاصة مع زمبابوي.وبعد تقديم لمحة تاريخية موجزة عن بدايات فترة ما بعد النظام العنصري الأبيض في ظل نلسون مانديلا، يركّز المؤلف تحليلاته على الموضوع الأساسي لكتابه كما يشير عنوانه، أي لفترة «ما بعد مانديلا».
الملاحظة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف لفترة ما بعد مانديلا هي تأكيده على واقع النجاح الكبير الذي عرفته جنوب إفريقيا على الصعيد الاقتصادي. الأمر الذي تمّت ترجمته ببروز «بورجوازية جديدة» مع وصول أعداد متزايدة من المواطنين السود إلى امتلاك ثروات كبيرة كانت محصورة سابقا بالبيض.
كما أن البلاد عززت من موقعها على المسرح الدولي بحيث أنه غدا يتم النظر إليها على أنه إحدى الدول «الصاعدة» وأنها تتولى موقع «الزعامة» في القارّة السوداء.
لكن كان للميدالية وجهها الآخر أيضا في فترة ما بعد مانديلا، ذلك أن التباين الاجتماعي الكبير تزايد واللامساواة تعاظمت أكثر فأكثر باستمرار. وأصبح العنف بمثابة «وباء حقيقي» استوطن بشكل خاص في ضواحي المدن التي يقطنها السود وفي المدن الرئيسية للبلاد، هذا رغم المحاولات التي سعت الحكومات المتلاحقة من خلالها الحد من هذا المنع أو العمل على جمع السلاح الذي انتشر بصورة كبيرة.
كذلك أخذ العنف مظهر استمرار النزاع بين البيض والسود. إن البيض الذين كانوا يسيطرون على كل شيء في البلاد في ظل النظام العنصري أرادوا أن يجدوا سكانا لهم في النظام الجديد بينما تسود لدى السود عامة إرادة «الثأر» من تاريخ طويل.ويشكل مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» احد التحديات التي تواجهها جنوب إفريقيا.
ويكرّس المؤلف فصلا كاملا لما يعتبره «الأخطاء» التي ارتكبها الرئيس الذي خلف نلسون مانديلا، أي «تابو مبيكي». ويرى أنه مارس نوعا من «إنكار» واقع انتشار الايدز في بلاده وأنه «كذب» في الوقائع والإحصائيات مما شكّل أحد أكبر أخطاء فترته الرئاسية. لكن المؤلف يشير إلى أن مبيكي «ينفي» تماما أنه «أنكر علانية كون أن فيروس HIV يسبب مرض الايدز».
وينقل عنه قوله: «لم يحدد لي أحد على الإطلاق أين قلت ذلك». وبعد نقل المؤلف لعدد من تصريحات الرئيس السابق مبيكي حول الايدز في عدة مناسبات يشير إلى أن هذا الوباء قتل عشرات الملايين من مواطني جنوب إفريقيا ويمثل «كارثة» حقيقية على الصعيدين السياسي والأخلاقي.
إن المؤلف يؤكد بأشكال مختلفة أن جنوب إفريقيا تمثل «أملا» كبيرا بالنسبة للقارة الإفريقية كلها. لكنه يؤكد بالمقابل أيضا أن هناك الكثير من المؤشرات المثيرة للقلق التي أظهرتها مسيرة البلاد خلال الحقبة «ما بعد البيضاء».
ويحدد المؤلف أحد هذه المؤشرات بانتخاب «جاكوب زوما» الذي يرتبط اسمه بقضية «فساد» خلفا لتابو مبيكي على رئاسة حزب المؤتمر الإفريقي عام 2007 ثم توليه مقاليد البلاد.بكل الحالات يريد المؤلف لكتابه، كما يشير، أن يكون مساهمة في النقاش لتوجهات البلاد «ما بعد مانديلا».
أي في الفترة التي تعرف، كما يشرح، نزاعات حقيقية من أجل السلطة ومن أجل الثروة بين النخب القائدة في حزب المؤتمر الإفريقي، حزب مانديلا، والحزب الحاكم في البلاد «ما بعد مانديلا».
جنوب إفريقيا من نلسون مانديلا إلى جاكوب زوما. ومسيرة تتداخل فيها نقاط القوة ومواطن الضعف في بلاد تسلطت عليها أنظار العالم بتنظيمها بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2010.
الكتاب: ما بعد مانديلا
تأليف: اليك روسيل
الناشر: هوتشستون لندن 2009
الصفحات: 633 صفحة
القطع: المتوسط
After Mandela
Alec Russel
hutchiston- London 2009
633.p

