لقد أظهرت الأزمة المالية العالمية التي يعرفها العالم منذ خريف عام 2008 ولا تزال آثارها لم تنته أن النموذج ـ الموديل ـ الرأسمالي الذي يتركّز على الإنتاج أكثر فأكثر من أجل إشباع «حاجات اللحظة» هو نموذج محدود ولا يقدّم حلولا نهائية.
وفي مجال البحث عن تحديد المسؤولية يطرح رفيق صماتي، ذو الشهرة الكبيرة في عالم الصناعات الرقمية والاقتصاد، عددا من الأسئلة من نوع: وماذا إذا كان المسؤول عن هذه الأزمة هو الرجل؟ وهل يمكن تحميل مسؤولية الانحرافات المالية الراهنة لنزعات الذكورة؟ وهل الرجل هو المسؤول عن تعريض العالم للخطر؟ بسؤال آخر أكثر صراحة:هل الهرمون الذكوري هو الذي يدفع الرجال إلى الإفراط في رغبة الاستيلاء والتملّك وفي إشباع المطالب المباشرة وبالتالي هل يمكن أن يكون مسؤولا عن الجنوح المالي؟ وسؤال مقابل: هل لو كان المضاربون في الأسواق هم من النساء في أغلبيتهم، فإن العالم كان قد وصل إلى ما وصل إليه من أزمات؟
هذه الأسئلة كلها تجد محاولات للإجابة عنها في كتاب رفيق صماتي «نحو رأسمالية نسائية». وذلك من خلال 11 فصلا تحمل كلها عنوان الأزمة ابتداء من «أزمة الرجل» وحتى «الأزمة الإمبريالية» ومرورا ب«أزمة النمو» و«الأزمة الأخلاقية» و«أزمة المعرفة» و«أزمة الإبداع»، الخ.
ما يريد أن يقوله المؤلف هو «أن المرأة هي مستقبل الاقتصاد»، وذلك تيمّنا بالمقولة المعروفة «المرأة هي مستقبل الرجل». ذلك على خلفية أنها أكثر اهتماما واستيعابا لمطلب المدى الطويل وللعمل في إطار شبكات والمشاركة والتعقّل وإعطاء الأولوية للتربية. هذه الصفات كلها هي التي سيكون من المطلوب تحققها في اقتصاد المستقبل كي يكون فاعلا، برأي المؤلف، وهي تتوفر كلها لدى النساء أكثر مما هو لدى الرجال.
ويبدأ المؤلف بالحديث عن الفروق بين المرأة والرجل من زاوية علم الأحياء والمورثات «البيولوجيا الحيوية». ويشرح أن البشر يشتركون في 46 كروموزوم تتشابه 45 منها لدى الرجال والنساء بينما يختلف لديهما الكروموزوم السادس والأربعين.
ويشير المؤلف أن ما يثير الدهشة هو أن هذا الكروموزوم ال46 هو أصغر بثلاث مرات لدى الرجل مما هو لدى المرأة ويحتوي تقريبا 10 مرات أقل منه من المورثات «الجينات». بل ويدفق المؤلف القول أكثر أن الكروموزوم لدى الرجل يميل نحو التضاؤل أكثر فأكثر مع مرور الزمن ويفقد مورثاته بحيث يتنبأ البعض بزواله نهائيا منذ الآن وحتى 10 ملايين سنة. النتيجة «البيولوجية» التي يخرج بها المؤلف مفادها أن الاصطفاء الطبيعي لا يجري لصالح الرجل بل لصالح المرأة.
وعلى صعيد التطور التاريخي والاجتماعي كان الرجال يذهبون قبل مائة ألف سنة للصيد بينما تبقى النساء في المقرّ. بهذا المعنى كان الرجل هو المكلّف بالغزو والاستيلاء على مناطق جديدة بينما كان على المرأة القيام بمهمات التنظيم والعلاقات الاجتماعية في الإطار المحيط بها السلطة خارج المنزل كانت إذن للرجل بينما كانت في داخله للمرأة.
وعندما كان الرجل يعلّم أبناءه فنون الحرب كانت المرأة تسهر على نقل المعارف لهم. وبشكل إجمالي يلخص المؤلف «تقسيم العمل» بين الرجل والمرأة كما يلي: المغامرة هي اختصاص رجالي وقيمة رجاليّة أما التعقّل فهو اختصاص نسائي وقيمة نسائية الرجل للحرب والضرب والمغامرة والمرأة للتنظيم والعلاقات العامة.
الموديل الحضاري الغربي الحديث السائد يرى به مؤلف هذا الكتاب مقاربة للعالم من نمط رجالي قائم على المخاطرة والفتح والحرب والجنوح في مثل هذه الحالات ليس أمرا مستبعدا ولكنه من طبيعة الأشياء.
لكن المشكلة اليوم هو أن الإنسان استطاع بواسطة العلم والتكنولوجيات أن يسبر أغوار العالم ويتعرف على معظم أسراره. كما استطاع أن يُحكم سيطرته على بقية أنواع الكائنات ويروّض الكثير منها لاستخدامه ولفائدته الخاصة.
ثم إن الحدود بين الدول أخذت شكلا مستقرا إلى درجة كبيرة. وموارد العالم وثرواته، ذي مقدمتها مواد الطاقة، هي بصدد الاستنزاف وبطريقها إلى النضوب. هذه كلها وقائع يقول بها الجميع وبطريقها إلى النضوب، هذه كلها وقائع يقول بها الجميع ويؤكدون صحتها. ولكن المؤلف يخرج من هذه الوقائع بسؤال كبير هو: هل لا تزال هناك فائدة أيضا للنموذج ـ الموديل ـ الرجالي؟ وسؤال آخر: ألم يكن هذا النموذج خطرا على بقاء النوع البشري ذاته؟
وبالمقابل القول أن «رأسمالية نسائية» قد تلوح في الأفق وهي رأسمالية «جديدة» يصفها المؤلف أنها أكثر سلاسة وتعقّلا وأقل جموحا. ورأسمالية تدرك جيدا محدودية الثروات التي تمتلك عليها الطبيعة وبالتالي ضرورة «ترشيد» استخدامها، كما تدرك أهمية التربية التي لا تقوم على الاستهلاك. باختصار رأسمالية أقل جموحا في المضاربات وفي المعاملات بحيث يكون خطر الأزمات، مثل تلك التي يشهدها العالم اليوم، أقل تهديدا.
وهو يؤكد على أهمية ذلك فالاقتصاد يتطوّر ولا بد من تطبيق مفهوم المعيار في كل شيء، وذلك كمدخل نحو التفاؤل في عالم يخيّم عليه التشاؤم من كل صوب. ثم إن الفرق كبير بين «المفهوم النسائي» للحياة الذي يقول ب«التكامل بين الأفكار» وبين «المفهوم الرجالي» الذي يقول ب«التعارض بين الأفكار»، هكذا يقول لنا المؤلف في جملة أخيرة من الكتاب.
الكتاب: نحو رأسمالية نسائية
تأليف: رفيق صماتي
الناشر: ايترول باريس 2010
الصفحات: 130 صفحة
القطع: الصغير
Vers un capitalisme féminin
Rafik Smati
Eyr olles- Paris 2010
130p.

