يبين الكتاب هذا أن الأقطار العربية خضعت منذ استقلالها لأشكال مختلفة من السياسة والأساليب، فبعضها تهيمن عليه حالات الطوارئ والاستثناء وتعددية الفاعلين الذين يتدخلون في المجالات السياسية والعامة.

وتقترن حالات الفقر المدقع بدورات من قمع الدولة وحالات الصراع والتشييد، كما في العراق وجنوب السودان ودارفور، وحالات الاحتلال العسكري كما في الأراضي الفلسطينية وفي العراق، وإنتاج فضاءات الاستثناء كما في باب التبانة في طرابلس ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وإمبابة في القاهرة، إضافة إلى حركات الاحتجاج والمقاومة العسكرية العالمية والمحلية. ورغم التباينات الواسعة بين تلك الأوضاع فإنها تظهر، على ما يشير الكتاب، نقاطا مختلفة على خط بياني يتسم بالانتقال من حكم القانون، إلى قانون الحكم والانتقال من النظام الموحد إلى الأنظمة الجزئية.

وعلى ذلك فإنه وفي إطار فهم إعادة تشكل الفضاء السياسي الاجتماعي في الوطن العربي، خلال السنوات الخمس عشرة المنصرمة، يشير الكتاب إلى ما يصفه بعملية إعادة تشكيل جرت ضمن سياق من التحول طرأ على سيادة الدولة الوطنية والمواطنة، فظهرت أشكال جديدة من السيادة والمواطنة، مؤكدا على أنه رغم الحديث عن تآكل سيادة الدولة القومية بفعل التغيرات المتشابكة التي عززتها كل من العولمة والحرب، إلا أن الدولة في المنطقة العربية لم تفقد السيطرة بل إنها أعادت صياغة سيادتها لمواجهة تحديات العولمة.

وأما على صعيد المواطنة فيلفت الكتاب إلى أن إعادة تشكيل السيادة أدت إلى إنتاج مواطنة مرنة، وهو تعبير يشير إلى الأسس المنطقية الثقافية لتراكم رأس المال والسفر والترحيل، التي تدفع الأفراد إلى الاستجابة بصورة مرنة وانتهازية للظروف السياسية والاقتصادية المتغيرة.

ثم يتطرق الكتاب إلى تناول تحولات الفضاء السياسي الاجتماعي العربي،موضحا أن هناك ثلاثة مستويات لتحليل الفعل السياسي، هي الحاكمية والحكم وحركات الاحتجاج اللا مؤسساتية. ويشير تعبير حاكمية الدولة إلى جميع الآليات والأساليب التي تستخدمها الدولة لممارسة السيطرة، أي للتأديب ولممارسة المراقبة على الشعب من أجل صالحه، من خلال المؤسسات والبيروقراطيات والتقنيات والمعارف.

وأما تعبير الحكم فيعني الكيفية التي تتفاعل بها الأساليب السياسية للدولة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، وتتشارك معهما في السلطة، أما تعبير حركات الاحتجاج اللامؤسسية فيشير إلى كيفية مقاومة المجتمع للمستويين المذكورين، من خلال بنى من نوع المساجد والكنائس والمجموعات السياسية المحظورة ووسائل الإعلام.

وفي بحث حول قدرة المجتمع المدني العربي على المقاومة، يؤكد حيدر إبراهيم علي أن قدرة المجتمع المدني على المقاومة ترتبط بمدى استقلاليته وجماهيريته، والتوسع في الأخيرة يعني أيضا الاهتمام بالديمقراطية الداخلية الخاصة به، وليس المقصود بالاستقلال الابتعاد عن الدولة فقط، بل يمتد ذلك ليشمل العلاقة مع الخارج.

وأما منى أباظة فتتناول في بحثها حول حركات الاحتجاج غير المسيسة باعتبارها انعطافا جديدا في الثقافة العامة في مصر، ومنها حركة احتجاج السادس من أبريل ودعوتها إلى البقاء بالمنزل وعدم الذهاب إلى العمل. وتفسر الباحثة أن السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، شهدت انعطافا جديدا في الميدان السياسي، سيحمل معه أسئلة جديدة بشأن أهمية دور الأحزاب السياسية أو التراجع المتنامي لأهمية هذا الدور، مع نشوء العمل السياسي الافتراضي.

ثم يتناول محسن بو عزيزي في بحث له، سوسيولوجية اللامبالاة، من خلال دراسة في التعبيرات الصامتة لدى الشباب التونسي. وفي بحث حول فن المقاومة اللاعنفية لندى غندور ديميري، تحاول أن يظهر العلاقة الموجودة بين المقاومة اللاعنفية والبيوسياسية.

وفي مجال تحليله للعلاقة أو التقاطعات بين الحاكمية والحكم وحركات الاحتجاج اللامؤسسية، يشير الدكتور ساري حنفي، إلى أن النظرية السياسية النقدية لا تعترف على نحو كاف بالتقاطعات بين هذه المستويات الثلاثة.

ويشرح أنه تجرى في الوطن العربي حاليا تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية هائلة، وهي تختلف من قطر إلى أخر.

الكتاب: حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي

تأليف: مجموعة من الباحثين

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2010

الصفحات: 312 صفحة

القطع: الكبير

مصطفى عبد الرازق