يتناول علم النفس في مقاربته التحليلية، علاقتنا بالآخر بما تزخر به من مردود على الذات في مختلف المراحل العمرية، ففي شقّ العلاقات الإنسانية السليمة يقدّم هذا العلم تفسيراً وتقييماً للسلوك ويرصد عوامل الانحراف ويطرح سبلاً للوقاية.
أما في الشق المَرَضي، فإن عالم النفس السريري، ذا المقاربة التحليلية، يتبنى الحالة، وينطلق من علاقة الإنسان بمحيطه بدءاً من الطفولة المبكرة ، فيعمل على التأثير المباشر على مترسخاتها في اللاوعي، مستهدفاً الوصول إلى التوازن النفسي للمريض، وبالتالي إلى قوامة سلوكه.
إن مادة علم النفس التحليلي هي إذاً علاقة الإنسان بالآخر، بما لها من مردود على الذات؛ فللعلاقة بالأبوين في مرحلة الطفولة، مردود بنيوي يفضي إلى بنية ذهانية أو بنية حدودية أو بنية عصابية، وكذلك مردود وجداني في أبعاد شتى، بما في ذلك من حالات مرَضية: قلق (مع ما يتأتى منه من أنواع الرهاب) أو اكتئاب أو ما يمكن تسميته «بالعوارض الدفاعية» (كالانطوائية) أو ازدواج الشخصيَّة...الخ.
على ذلك، فإن ما يصَوِّرُ العلاقة بالآخر من شعر ونثرٍ وموسيقى وتشكيل، يكون ضمنَ دائرة الجدوى لعلم النفس. فمجرد مشهد طبيعي في لوحة تشكيلية يعكس لنا وجدان الفنان، ما قد يفضي بنا إلى استبصار جوانب من شخصيته.
وبالتالي إلى تشكُّل فرضيات علم-نفسية؛ فإما إعسار عاطفي أو إحباطات (نراها في رسم المراكب الشراعية في البحر مثلاً، وهي لوحات تنضحُ بنزعة الارتحال عن واقعٍ ما)، أو توازن نفسي وتوافق مع المحيط (رسم المروج والسهول والغابات والآفاق المفتوحة)، أو استهابة وهلع (لوحات البحر الهائج)... الخ. ولكل حالة من الحالات الوجدانية تاريخ مؤسَّس على العلاقة بالآخر. وثمة قيمة تشخيصية مهمة لكثير من الأعمال الفنية والأدبية.
البنائية والإبداع والنقد
إننا إذ لم نضمِّن بصيرتنا النقديَّة البعد السيكولوجي، سيظل بحثها مشوباً بالثغرات، لقصورها عن الإحاطة بدوافع المبدع وبأوجه إبداعه المتصلة بخصائصه النفسية وتالياً بظرفه الوجودي.
يستند النقد النفسي لدى التحليل النفسي لعمل أدبي أو فني ما، إلى كونية السيكولوجيا الإنسانية وعلى جدلية تأثر النفس بالظرف الوجودي، وهو المتغير الذي على أساسه يتحدد شكل البناء النفسي للفرد. على ذلك، ليس للبصيرة النفسية في النقد الاعتراف بظواهر إبداعية، تماماً كعدم اعترافها بظواهر سلوكية، فردية كانت أم جماعية؛ فكونية السيكولوجيا الإنسانية هي من المسلمات.
اعتماد النهج السيكولوجي في النقد يمكِّننا من تصنيف المنتج في دائرة إبداعية خاصة، نلمُّ بمكامنها من منظور تحليلي نفسي، وبعلاقتها بدوائر إبداعية أخرى. كذلك يمكِّننا من تسليط أضواء كاشفة جديدة على دوائر إبداعية مصنفة من قبل.
من جملة الأمثلة التي يمكن أن نوردها، «الشعر الحداثي»، الذي يزخر في أحايين كثيرة بمفردات ذات جرس ثقيل ملفت وبعبارات مبهرة، وإن افتقرت للشاعرية (تضاريس نفسي، «غياهب ذاتي»...) مع تراجع للموضوع الوجداني.
فالناظم يستخدم نصَّه «المبهر» في حالات كهذه بقصد إدهاش المتلقي، متوخياً المردود العاطفي المتأتي من جهة هذا المتلقي المنتبه. فالانتباه، إصغاءً أو كتابةً، بما يولده لدى المتلقي من دهشة أو تعاطف أو نفور أو حزمة أحاسيس، هو مضمَّن دوماً بشحنةٍ عاطفية. وهكذا، تتيسَّرُ للفرد جرعة عاطفية من المتلقي من خلال «ومضات كلامية» كتلك، والتي تحفل بها بعض «القصائد» الحداثية، أو من خلال تكثيف مواضيع لافتة لدى من يلجأ إلى الإكثار من الكلام في حضرة الغير.
نرى هكذا أنه يمكن إعادة تصنيف هذا النوع من الإنتاج الفكري في دائرة خاصة جديدة، يتمُّ الاتفاق مع الأدباء النقاد على توليف تسمية لها، تأخذ بالاعتبار البعد النفسي، وأقترح له على سبيل المثال «شعر الإعسار العاطفي». هكذا تسمية يمكن أن تكون مضافة إلى التسمية المعتمدة، الأدبية المحضة، لا لاغية لها.
بنيوية تأسيسية
ولهذا النوع من النتاج الإبداعي قيمة تشخيصية عالية لا يمكننا التغاضي عنها، وقد تكون أحياناً قيمته الوحيدة. فالإعسار العاطفي المتبدِّي من نصوص تنضح بالإعجامات وبالعبارات المدهشة والتي قد تبعد عن الشاعرية، علاوةً على انحسار أو حتى انتفاء الموضوع الوجداني الصريح، له أسباب إكلينيكيَّة.
فهو متولد من مكبوتات، مادتها نزعات حميمة تلت إخفاقات عاطفية، سيما في مرحلة المراهقة، أي المرحلة التي تلي مباشرةً فترة البلوغ. إذاكَ يتعرض المراهق إلى عذابات عاطفية قد تصل إلى حدّ تعزيز المرحلة النرجسية المنقضية بالطفولة الأولى، وهي مرحلة بنيوية تأسيسية، حيث تعود إليه الحاجة إلى الاتكاء النفسي على مصدر عاطفي بنيوي جديد لتغذية البنية النفسية الحساسة، مدعومةً بالحاجة العاطفية. فالبنية «الأوديبية» التي تلي المرحلة النرجسية التأسيسية، تظل باستمرار على علاقة جدلية مع سابقتها، وإن تجاوزتها.
هذا ما يفسر ما نراه في يومياتنا لدى الأبناء، ذكوراً وإناثاً، من سلوك يتمحور على الذات في مرحلة المراهقة، وبخاصة المحاولات اليائسة للتجمل أمام المرآة، (وهذا سلوك طبيعي بل صحي)، لأنَّ من شأن التجمل أن يؤمن مردوداً عاطفياً. هنا تحديداً يتولد عند بعضهم، وبحسب الطابع الثقافي لبيئة النشأة، دافع قوي إلى التجمّل بالكلمة الملفتة، أي إلى «إنتاج أدبي» خاص يمكن أن يتثبَّتَ كنمط فيما بعد.
لكن إذا ما جرت تلبية حاجاته العاطفية أو معالجة إخفاقاته بتجربة أخرى ناجحة، يهجر «الشاعر» شعرَه، إلا في حال ألحَّت عليه حاجات مرتبطة بنرجسيته، لكن في هذه الحالة تتبدَّى في خلفية أعماله حالة وجدانية كصديً لتجربته العاطفية، وتنحسر الإعجامات، وهي عائق طبيعي للتعبير عن الوجدان.
الأخوان رحباني نموذجاً
الكلمة النقدية لعلم النفس تطال أيضاً التصنيفات الإبداعية المعروفة. أورد كمثال التيار الموطني، الذي شهدَ إبداعات عظيمة في مجال الرسم مع الفنان الإسباني موريّو حِّْيٌٌُ 2861-8161. وفي الموسيقى يتمثل هذا التيار خير تمثيل بمدرسة الأخوين رحباني. فهذه الأعمال دافعها الحنين للموطن في بعده الحاضن. فالمبدع هنا ينزع إلى ماضٍ كان فيه بكنف بيئة النشأة، أي في كنفٍ أمومي متمدِّد، عناصره الأبوان والأقربون والبيئة الجغرافية.
الحرمان من هذا الحضن المتمدد (كالانتقال المبكر من القرية الحاضنة إلى المدينة، أو الهجرة)، يولد نزعة لبيئة النشأة على نحو اكتئابي أحياناً لأنها تحيي الحاجات البَنَويَّة الخاصة بالمرحلة النرجسية التأسيسية.
هذه الآصرة التي تحكم الفرد بالمكان تتبدَّى بجلاء في الإبداعات الموطنية، إذ إن الفنان يكثر من وصف محاسن موطنٍ يقارب المثالية بجماله، وهو بذلك يبرز فاعلية وكفاءة حضانته له.وعودةً إلى الفنان الموطني موريو، فقد رسم لوحة لأخوين صغيرَين يتيمين، ينظف فيها الأخ الأكبر شعر أخيه من الطفيليات، في مسكن غاية في التواضع.
أفهل أبلغ من هذه اللوحة في تبيان آصرة الحضانة لبيئة القرية؟ حضانة الطفل الأكبر لأخيه أخرجت من البؤس جماليَّةً رائعة! في حال تبيَّنَ لنا أنَّ فلاناً من الفنانين الموطنيين لم يعرف حرماناً من الحضن الموطني، يتولد لدينا تساؤل عن خاصيته الإبداعيَّة من قبيل «من أين له هذا؟»، تساؤل يقودنا إلى فرضيات جديدة حول هذا المبدع.
أخصائي نفسي في الأدب
إذاً لأخصائي علم النفس المطلع على الآداب والفنون كلمةٌ نقدية. لكن أتساءل عن مدى الترحيب به في هذا الميدان! فالناقد النفسي ليس كسائر أقرانه والتوجس من حضوره وارد. فمن جهة الأقران من النقاد قد يُنظر إليه كغول له إمكانيات في تحييد الغير. أما من جهة المبدع، فقد يتأتى التوجس من شعوره بأن النقد سيكون بمثابة مرآة تعكس الخصائص الحميمة وتذيعها، سيما أنَّ بعضها منغّص.
لكن في الواقع، ليس للتوجس مبرِّر إذ إنَّ هذا «الوافد الجديد» محكوم بمراعاة أخلاقيات مهنية صريحة، والتفريط بها يكون بمثابة انتحار مهني. على ذلك، يكون لزاماً عليه في بعض الأحيان السكوت عن أعمال محدَّدة وعن أصحابها، أو تهذيب مقاله، أو أن يقول ما لديه في تعميم يتصل مباشرةً بالدائرة الإبداعية التي ينتمي إليها المبدع من حيث خصائصها واستيعابيَّتها، وإن كان في ذلك تحديد لمشاركته النقدية.
لكن ثمة حالات إبداعية يكون النقد النفسي لها بمثابة رافعة معنوية ملأى بتباشير ربما لم يعرفها المبدع من قبل، وهذا موطئ مكين للحضور النقدي لعالم النفس، لكن على أي حال، ليست هذه المدرسة النقدية ذات طابع استفرادي، بل هي اشتراكية الطابع، إذ إنَّ دورها يظل تكاملياً مع المدارس النقدية الأخرى.
نديم سليم
