لم يدر في خلد صبي مارسيليا (الطائش)، روبير لافون، عندما أسس دار نشره الصغيرة في مارسيليا، أن يغزو عاصمة النشر، ويستولي على عرش الثقافة وهو في عمر الرابعة والعشرين. وما بين ذلك التاريخ، وعمر الثالثة والتسعين، أنتج لافون 10 آلاف كتاب، تركت آثارها في نفوس القراء، بل وغيرت مجرى حياة بعضهم.

لم يكن روبير لافون (1916 ـ 2010)ناشراً عادياً،فربما افون هو الناشر الوحيد الذي فتح أبواب دور النشر الفرنسية على الأدب العالمي وسّن قوانين جديدة في التعامل مع الكتاب والمبدعين والجوائزدرس القانون والتجارة لكن شغفه كان يتجه نحو السينما والنشرآمن لافون بضرورة تلاقح الثقافات وتلاقي الحضارات عبر الكتابعانت دار النشر الخاصة به من التراجع بسبب أزمة النشر العالمية نتيجة الثورة المعلوماتية فضمت عام 1999 إلى دار (بريس دو لاسيتي)لم يدر في خلد صبي مارسيليا (الطائش)، روبير لافون، عندما أسس دار نشره الصغيرة في مارسيليا، أن يغزو عاصمة النشر، ويستولي على عرش الثقافة وهو في عمر الرابعة والعشرين.

وما بين ذلك التاريخ، وعمر الثالثة والتسعين، أنتج لافون 10 آلاف كتاب، تركت آثارها في نفوس القراء، بل وغيرت مجرى حياة بعضهم.لم يكن روبير لافون (1916 ـ 2010)ناشراً عادياً،فربما هو الناشر الوحيد الذي فتح أبواب دور النشر الفرنسية على الأدب العالمي، وسّن قوانين جديدة في التعامل مع الكتاب والمبدعين والجوائز.

درس صبي مرسيليا القانون والتجارة، ولكنه لم يمارس اختصاصه، لأن شغفه كان يتجه نحو السينما والنشر، ففي عام 1941، قام بتأسيس دار نشر (روبير لافون) في مسقط رأسه مارسيليا،ثم نقلها إلى باريس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

كان منذ سنوات شبابه، شغوفاً ونهماً في مجال القراءة، وهذا رغم عدم ظهور ذائقته الأدبية إلا متأخرة.

وعندما أسس دار نشره، كان يبحث عن مهنة يبدع فيها ويشارك الآخرين هذه المتعة، لذلك أراد لداره أن تكون مختلفة ومتميزة عن دور النشر الفرنسية الأخرى، مركزاً على ترجمة عيون الأدب العالمي، أمثال: الأميركية الفرنسية مارغريت يوسنار والكاتب الأميركي جيروم ديفيد سالينجير والروسي ألكسندر سولجينتسين والايطالي دينو بوزاتي والانجليزي غراهام غرين، وغيرهم. فقد آمن بضرورة تلاقح الثقافات وتبادل الحضارات عبر الكتاب.

انطلاقة مميزة

كل شيء حدث عن طريق الصدفة. فقد كان روبير لافون محتاراً بين السينما والنشر، لكن الكتاب، كما يبدو، انتصر على خياراته النهائية. وفي مدينة مرسيليا، نهاية عام 1940، كانت المبادرات تنتظر النجاحات المؤكدة، فلم تصل القوات النازية إلى هذه المدينة ولم تحتلها، لذا كانت تستقبل المثقفين والرسامين والكتاب والسينمائيين والموسيقيين الذين وصلوها من باريس واستقروا فيها هرباً من بطش القوات الألمانية.

وبمعاونة الرسام جاك ثيفينيه، تمكن روبير لافون من الاستقرار على خياره النهائي: تأسيس دار نشر فتية. فقد نصحه أحد الأصدقاء بإنشائها في مرسيليا آنذاك لأن أجواءها كانت بحاجة إلى ترويج الكتب. ونصحه بذلك أيضاً، غي شويلير، الذي تزوج لاحقاً بالروائية المعروفة فرانسواز ساغان، التي اقترحت عليه تأسيس سلسلة أطلق عليها الفرنسيون (بلياد الشعبية)، نسبة إلى دار «غاليمار» التي تصدر سلسلة (بلياد الفاخرة)، أي نشر الكتب الشعبية التي حققت له إيرادات كبيرة في ما بعد.

ولم ينتظر الشاب روبير لافون طويلاً حتى أطلق مشروعه في عام 1941، وهكذا ولدت دار نشر لافون في مكاتب استعارها من أخيه الأكبر مؤقتاً إلى أن يؤجر مكاتبه الخاصة بنفسه. وشاءت الصدف أن ينقل دار نشره إلى باريس بعد تحريرها من النازية مباشرة، وساعده في ذلك كل من جورج ايمانيول كلانسير وكليبر هايدنز، اللذان عملا له ككتاب ومستشارين نشر في الوقت ذاته. فكانت نجاحات كتبه لا تصدق، فقد طبع لبعض الكتّاب قرابة مليون نسخة كما هو الحال لرواية (الفراشة) لهنري دي مونرلان وغيرها.

وفي عام 1953 اشترى لافون حقوق نشر وترجمة رواية جي. دي. سالنجر (خاطف القلوب) وحقق بها نجاحاً كبيراً على صعيد المبيعات، حتى أن بعض دور النشر اتهمته بأنه يركض وراء الربح. ولكن تلك الاتهامات لم تثنه عن إرادته في المضي نحو هدفه.

ما هو سر نجاح هذه الدار، يا ترى؟

يقول المفكر ماكس غالو: (تأثرت كثيراً لرحيل روبير لافون لأنه ناشر هام للغاية في عالم النشر الفرنسي، استطاع أن يغير ذائقة القراءة من خلال إبداع المفاهيم الجديدة للكتب، مثل سلسلة كتب التجارب المعاشة، وكتب بيوغرافيا الأشخاص الأحياء، وغيرها من الكتب الشعبية التي تخص كل فئات القراء، كما تمكن من تقديم الكتاب ألأنغلو سكسونيين غير المعروفين لدى القراء الفرنسيين، وفي هذا ربما سر نجاح هذا الرجل).

لم يكن ناشراً عادياً، بل تفوق على جميع أقرانه من خلال حرصه على نشر الكتب الجيدة. وكان يسهر الليالي باحثاً عن النصوص الجيدة إلى درجة أنه كان يقرأ مخطوطة كتاب في اليوم الواحد.

ومن أسباب نجاحه، أنه كان ينشر جميع أجناس الكتب من الرواية البوليسية إلى المذكرات إلى الكتب العلمية المتخصصة. على سبيل المثال، نشر أمهات الكتب، على سبيل المثال: (أوديب ملكاً) لسوفوكليس، و (ما الذي أنقذ مايسي) لهنري جيمس، ترجمتها مارغريت يورسنار، ورواية (صحراء التتار) لدينو بوزاتي، كما نشر لمارك ليفي وجان أوميرسون وجاك شيراك (الجزء الأول من مذكراته).

اختار طريق نشر الكتب الشعبية ذات الاهتمامات الواسعة من قبل الفئات الواسعة من القراء. وكان يمزح بصدد ترجمة ونشر الكتب الأكثر مبيعاً، متهكماً (لا يوجد أسوأ من كساد الكتب الأكثر مبيعاً).

أول كتاب نشره روبير لافون هو (أضحية الصباح) لغيليان دي بينوفيل (أول كتاب يصف المقاومة الداخلية ضد النازيين). ومن ثم نشر سلسلة كتب ناجحة حققت إيرادات كبيرة لدار النشر. كما كان الناشر يحب نخبة من الكتاب والأدباء مثل غراهام غرين، الذي نشر له نحو 34 كتاباً، وارتبط معه بصداقة عميقة منذ لقائهما في نهاية الأربعينيات في لندن.

كان شغوفاً بمهنة النشر لدرجة أنها تحولت إلى جزء من حياته التي لم ينفصل عنها حتى رمقه الأخير. وكان يقول عن مهنته التي أمضى فيها أكثر من نصف قرن: (لقد عشت وتطورت دون أن أفكر بسحق أحد أو خداعه. كما لم يتمكن أحد من شراء ذمتي، ولم أشتر ذمة أحد. عبرّت عن نفسي دون أن أقحم ذوقي الخاص، ودون أن أحتقر الذين يختلفون معي في الرأي.

وسجلي هو سجل رجل مخلص إلى الطفل الذي كان). ولم يندم على خياراته.وأضاف: (حسناً فعلت لاختياري مهنتي، وأحببتها من أعماقي، لأنها منحتني الرصانة وربما الحكمة).

فالحكمة لا تتوازن عادة مع العاطفة، فهذا الرجل كان مندفعاً نحو الحياة والرحلات والكتب والنساء بطريقة عجيبة. كان روبير لافون يحب النشر كما يحب حياته، مع ألوانها وتموجاتها.. وصفه دينيس تيلاناك، أحد العاملين في حقل النشر، قائلاً : (كان وجوده المادي حاضراً، كما لو أنه أحد رعاة البقر الذين يحومون في شارع السان جيرمان دي بري). وهذا الشارع يعج بدور النشر الفرنسية الكبرى.

شاكر نوري