يعتني كتاب «السيمائيات العامة-دراسة، لمؤلفه عبد القادر شيباني، والصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون-ومنشورات الاختلاف-بيروت/الجزائر 2010م، بتوضيح ماهية بنية ومساقات السيميائية العامة، متعرضا لمجموعة من التجارب والأنواع والنماذج التطبيقية في هذا الشأن.
وفي هذا السياق يبين شيباني أن الإستراتيجية السيميائية السوسرية حسب فرديناند ده سوسير-تقوم على دراسة اللسان، بالتغاضي عن تلك الخصائص التي لا تعمل إلا على تميزه عن باقي الأنساق السيميائية، وبهذا الفعل فإن اللساني لا يستوضح المشكل فحسب، بل سيلفي نفسه أمام أنساق سيميائية متعددة، تستمد مشروعية تصنيفها وشرحها من قوانين اللسانيات. ولقد حدَّد «لويس يامسليف» صورة العلامة بشيء من التدقيق حين فصل بين «الشكل» و«الماهية» في كل من التعيير والمحتوى.ويؤكد المؤلف في مناقشته لهذا الموضوع أنه تتحقق نسبية القيمة في النسق السيميائي عامة، بتحديد أشكال العلاقات في صورة وحدات ملموسة، لذلك تراهن اللسانيات ومن ثم السيميائيات، على فرضية التمفصل لاستكشاف قيم النسق السيميائي من جهة، والتحري عن موضوعيتها من جهة أخرى. إذ لا نستطيع مفصلة الدال بمعزل عن المدلول إلا في حالات التجريد.
وباعتماد آلية التمفصل استطاع «لويس .ج.بريتو» أن يستكشف تغاير تمفصلات الأنساق السيميائية من نسق لآخر(سنن المرور- أرقام غرف الفنادق-الهواتف-أرقام الحافلات- ).وإذا كانت مهمة عالم اللسان كما يرى سوسير تكمن في البحث عن كل ما يجعل من اللسان نسقاً خاصاً، فإنَّ مهمة السيميائي هي البحث عن تلك البنية المشتركة التي تنخرط فيها جل الأنساق السيميائية، بما فيها اللسان، أي عن ذلك الأنموذج المبسط الذي يسمح بتقريب ظواهر مختلفة، انطلاقاً من بعض الجوانب المشتركة. إن الأنساق السيميائية عامة بما فيها اللسان، تشترك في مبدأ القيمة التقابلية، إذ لا يمكننا أن نميز ضمنها بين ما يخالف شيئاً عن آخر، وما يؤسس للشيء ذاته كونها تخضع لإكراهات الاختلاف.
ويرى الباحث شيباني أن اللسان وحده لا يحتكر آلية التركيب والترابط، بل تمتد هذه الآلية إلى أنساق سيميائية أخرى تقوم على خلاف اللسان بتدعيم مبدأ الهيمنة بين العلاقتين، ذلك إما على أساس مجازي تهيمن فيه علاقة التركيب. إذ نستطيع عبر هذين المبدأين أن نميز حسب «رومان جاكبسون»- بين الرسم التكعيبي والسوريالي، أو بين أفلام شابلن و أفلام غريفيث.
ثم إن «رولان بارت» يفترض ضمن مجال التحري عن آلية اشتغال الأنساق السيميائية، ضرورة إخضاع تمظهراتها للتقطيع التركيبي الذي يستطيع أن يمدَّنا بالوحدات المؤلفة لمحور الاستبدال، فاللباس بوصفه نسقاً سيميائياً، لا يتمظهر إلا في صورة أزياء أو بدلات تتجاوز ضمنها جملة من القطع الملبسية المختلفة.
وبذلك تتزامن تحولات التركيب مع تحولات المعنى الملبسي، و ينطبق الأمر نفسه على الوجبات الغذائية، وعلى فن التأثيث، ما يعني أن الطبيعة التواصلية لغالبية الأنساق الدالة، دفعت ثلة من السيميائيين إلى الربط بين السيميائيات بوصفها علماً يدرس أنساق العلامات الدالة، وبين وظيفتها التواصلية.
ويشير المؤلف إلى أنَّ الصورة لا تنشأ بمعزل عن ألوان المعنى وأفضلية التواصل، فهي لا تنأَى عن تلك التحركات التي تنظم الدلالة داخل الحياة الاجتماعية، فللثقافة دور في احتضان خدوجها، حتى وهي لا تزال مجرد فكرة في ذهن المبدع. ولا يخلو الانطباع التمثلي الذي تتركه الصورة من البعد الخطابي، لذلك فإن «كريستيان متيز» لا يرى لسيميائيات الصورة من مكانٍ في الخارج، بمثابة مجال السيميائيات العامة.
إذ يقوم افتراض المفاهيم اللسانية في التحليل السيميائي للصورة على تمييز المفاهيم العامة، وعن تلك المفاهيم اللسانية الخاصة أو الخالصة، لأن الصورة ليست بظاهرة فونيمية، وقد يختلف الحال مع مفهومي «التركيب» و«الاستبدال»، إذ لا نجد في تعريفهما اللساني ما يميز نسق اللسان عن باقي الأنساق الدلالية الأخرى. ومكمن الاختلاف في الحالتين، مرتبط بمدى قابلية المفهوم المنسوب إلى اللسانيات لتحقيق المكتسبات الإجرائية نفسها.
إذا ما سحب على موضوعات أخرى، فالصورة في الفن التشكيلي لا تختلف عنها في التصوير الفوتوغرافي، سوى في تقنية الالتقاط التي تكون يدوية في الأول وآلية في الثاني، بينما تشترك كل منهما في الوضع السكوني، وذلك على خلاف مادة تعبير الرسم الحكائي.
ويتطرق شيباني إلى مفهوم الصورة بهذا الشأن، من منظور «متيز»، حيث يراها لا تخضع للتمفصل المزدوج، كون تمفصلاتها لا تقع على الدال دون المدلول لتقاربهما.ويلفت المؤلف إلى أنه، وبالمقابل، فإن عدم خضوع الصورة للتقطيع المزدوج يمثل لدى «لويس بورشر» مبرراً لاحتوائها على نسق دلالي شمولي ومباشر.
وقد يختلف التعريف بكينونة الدلالة المفتوحة بين لحظة الإنتاج لحظة الاكتمال والتبلور، فبين الوضع القبلي والبعدي تتباين الصورة التي يكون عليها أهم عنصر من عناصرها الفاعلة، وهو عنصر المؤول.
الكتاب: السيميائيات العامة- دراسة
الكاتب: عبد القادر شيباني
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف بيروت الجزائر 2010
الصفحات:174 صفحة
القطع: المتوسط
أنور محمد

