في المسرح كان نجيب سرور متميزاً، وفي الشعر كان من أبرز شعراء عصره، كتب الفصحى والعامية فأجاد في كليهما، إلا أن قدره في كونه إنسانا طوبائيا لم يقتنع بجزء من الحقيقة، وأصر على أن يبلغها، فاحترق قبل بلوغه هدفه واستكمال مشروعه المسرحي والشعري.
من يقرأ نجيب سرور سيعجب به وإن اختلف معه، يقول: «نحن حبات البذار/نحن لا ننمو جميعاً/ عندما يأتي الربيع/ بعضنا يهلك في هول الصقيع/ وتدوس البعض منا الأحذية/ ويموت البعض منا في ظلام الأقبية/ غير أنا كلنا.. لسنا نموت».
لم يمت سرور في أقبية السجون التي قاومها في عصر السادات، ولكنه مات بعد أن داسته الأقدام حياً وميتاً، فحتى الذين أعجبوا به لم يحتفلوا به بعد رحيله، رغم كل الاحتفالات التي أقيمت لشعراء أقل منه إبداعاً ولمسرحيين تافهين ملأوا المسرح ضجيجاً وصراخاً لكنهم تركوا أوساخهم فوق خشبته.
لا يملك أحداً تفسيراً للقسوة التي واجهها نجيب سرور في حياته ولا هذا التنكر الشرس لفنه وشعره بعد رحيله، رغم أنه كان رقيقاً يتغنى بالحب، والحرية، والنبل، والإنسانية، والوطنية.
لا أملك أسباباً مقنعة عن إحجام الجهات الثقافية المعنية بالاحتفال بميلاده أو رحيله أو تنظيم لقاء نقدي لأعماله الشعرية والمسرحية، ولم اقتنع بالأسباب والعوامل، رغم تعدد الإجابات أو الاجتهادات أو الاتهامات التي لصقت به على الرغم من رحيله قبل سنوات طويلة، وأصبح جزءاً من ضمير الأحياء في قول الحق عن أعماله وإبداعاته.
لقد تعددت التهم رغم هذا الرحيل. فمنهم من قال كان اشتراكياً، بينما وصفه آخر بأنه مجنون، وتنكر ناقد لإبداعات سرور واتهمه بالفشل الأدبي والفني، لكنك تفاجأ باتهام آخر في كونه خائنا لبلاده، وحينما لم يجد آخر تهمة يلصقها به قال:
«أساء لنفسه ولأصدقائه»، ولكن أحد الأدعياء استغرب من طرح الاسم، وقال: «لا أذكر أن شاعراً أو مسرحياً كان بهذا الاسم، إنه شخصية غير موجودة أصلاً في تاريخ الشعر المعاصر أو المسرح الحديث«، وألغى هذا الناقد كل ما كتبه ونشره سرور في حياته.
ورغم كل ما قيل عنه، أو نكران البعض لوجوده أصلاً، فإن نجيب سرور كان شاعراً بارزاً متميزاً، وكاتباً مسرحياً، وشخصية وطنية أحب وطنه حتى الجنون، فحينما لم يجد شعاع نور في نهاية النفق جن، لأنه فوجئ بأن الحلم مكسور، وأن حلمه أكبر من كل ما يدور حوله من ظلام وسوداوية، فما كان أمامه طريقاً إلا الموت.
لكنه ظل حياً عند كل من قرأ نتاجه من أبناء عصره، ومن سيقرأ نجيب سرور لاحقاً فسيجد به غير كل تلك الشكوك التي طرحتها آنفاً، وأعتقد أن جيلاً غير جيلي المنقرض، سيحتفل بنجيب سرور المتجدد دائماً.
