هل يتخيل القارئ نفسه داخل مكتبة وقد خلت من أمهات الكتب، تلك الكتب التي تأسس عليها الفكر البشري، ومن خلالها ارتقت معارف الإنسان وتطورت حياته، الكتب التي يحرص المعلمون على الإشارة إليها لكل طالب معرفة، والتي تتحول إلى شاهد في دفتر الكتابة، يستقي المرء منها الحكمة والعبرة ويضمنها في خطابه اليومي والمهني، ولكثرة الاستشهاد بعبارات من أمهات الكتب، لم يعد يعرف المرء مصدرها، ولكن بقيت حاضرة في الحياة.

أمهات الكتب في الفكر البشري ضرورة لتنمية الملكات الفكرية، والعودة إليها جيلاً بعد جيل يعني التواصل تاريخياً عبر الأفكار، أفكار من سبقونا في حكمة الحياة، عصارة عيشهم وخلاصة تجاربهم في وعاء من الحكاية أو الشرح تغني عن المعاناة مجدداً، ولطالما خاض من سبقونا التجارب، فيا حبذا أن نبدأ من حيث انتهوا، أو من حيث وصلت اختباراتهم التي أرسلوها لنا عبر الورق، حافظ الذاكرة وحامل المتعة الروحية، وإذ يعود المرء لكتاب غني يجد راحة نفسية ويشعر بالرضا لأن هناك من شاركه الحياة بأصنافها وألوانها، وهاهو يعيدها إليه على طبق من الحكمة.

ليس من الحكمة أن تهتم مكتباتنا بالكتب الأكثر مبيعاً وتتجاهل عرض أمهات الكتب في واجهاتها، وليس من المنطق أن تخلو أرفف مكتبات عامة أو تجارية من أبرز المؤلفات التي تصنف في قائمة الأكثر تأثيراً في الأجيال عبر التاريخ، تلك الكتب التي أخذت أهميتها من أفواه وأقلام من سبقونا في المعرفة، فصنفتها العقول والنفوس قبل ان تصنفها الخزائن والأدراج، وهاهي تصل إلينا بطريقة بسيطة لا تعقيد فيها وذلك قبل كل هذه التقنيات الجديدة التي تحمي الكتاب من العطب، إنها تلك الكتب التي لا تفقد طاقتها التأثيرية مع الزمن، بل تزداد قيمتها الفكرية كلما دارت عجلة المستقبل.

ماذا يقصد بـ «أمهات الكتب»؟

سؤال يتبادر إلى الذهن، لكن أفضل طريقة للإجابة هي استحضار الأمثلة، فلكل أمة على الأقل كتاب يكشف عن هوية وقيم وطبيعة الناس ، على سبيل المثال، هناك الإلياذة و الأوديسة (اليونان)، شاهنامه (ايران)، وماهابهاراتا (الهند) وايغور (روسيا)، أغنية رولان (فرنسا) وغيرها.

والعرب لديهم «ألف ليلة و ليلة» الذي نحاكمه ونحرقه ونعاقب بائعه، ونستبدله بالكتب الأكثر مبيعاً التي يمكن عرضها في ممرات المطارات وقرب الباب في متاجر الوجبات السريعة، تلك الكتب التي يجوز أن ينساها المرء في المقهى أو الطائرة، أو تركها قرب السرير في الفندق دون أي إحساس بفقدانها.

hussain@albayan.ae