فرض الصحفي الألماني «غونتر غراس» نفسه منذ ثلاثة عقود تقريبا كأحد المرجعيات الصحفية في مجال «الاستقصاء الاجتماعي». ذلك عندما «دخل» في جلد مهاجر أو متشرد « لا عنوان له» أو عامل يتم استغلاله إنسانيا. وفي كل الحالات استطاع أن يحرّك الضمائر ويُحدث نوعا من «الصدمة الكهربائية» لدى القرّاء.
وكان عمله الأكثر شهرة هو الذي حمل عنوان «رأس تركي»، الصادر في سنوات الثمانينات المنصرمة عندما «انتحل» هوية مهاجر تركي ليصف معاناته في ألمانيا. واليوم يعود غونتر وولراف من جديد إلى استخدام «القناع والقلم» وينتحل شخصيات وهويات أولئك «الخاسرين» والمهمّشين في عالم الوفرة القائم اليوم «أفضل العوالم» وكي يخرج من التجربة بكتاب: «بين الخاسرين في أفضل العوالم».
ومرّة جديدة يلجأ غونتر وولراف وهو في الثامنة والستين من عمره إلى «التخفّي» خلف قناع مموّها شخصيته الأصلية كي يستطيع الانخراط بشكل أفضل وأعمق في «الغابة الحديثة» ويعايش عن قرب مختلف أشكال «العنف الاجتماعي» و»التمييز العنصري» الذي يواجه «الخاسرين» بمختلف فئاتهم والذين تجمع بينهم سمة واحدة هي أنهم يعيشون على هامش المجتمعات الاستهلاكية في البلدان المتقدمة.
إن المؤلف يعيش أولا تجربة العنصرية بصيغتها «الخام» التي تواجه أولئك الملونين الذين يدفعون ثمن سواد بشرتهم أو سمرتها الداكنة. هكذا «يأخذ» هوية مهاجر صومالي قادم من القارة السوداء. ويكتب منذ المقدّمة: «لقد قررت لمدة عامل كامل أن أجوب مختلف المناطق الألمانية في غرب البلاد وشرقها تحت شخصية رجل إفريقيا. وكنت أقصد من ذلك المشاركة في الاحتفالات بالشوارع وحجز مكان للنوم لي ولأسرتي السوداء وأدخل إلى الحانات وعلب الليل واختلط مع مشجعي فرق كرة القدم وأواجه الإشكاليات الإدارية». فكيف يستطيع الإنسان أن يعيش في ألمانيا عندما يكون أسود البشرة؟ هذا ما أردت اكتشافه في واقع الأمر. فهل انتهت مؤخرا مقولة الألماني الكاره للأجانب؟ وهل سيواجه الأسود ألمانيا منفتحة ومتسامحة التي جرى الحديث عنها كثيرا أثناء مباريات كأس العالم لكرة القدم خلال عام 1986؟».
إن هذا الكتاب يتألف من ثمانية تحقيقات- فصول كان المؤلف قد أعدّها من خلال لقاءاته مع الخاسرين في «أفضل العوالم» كما وعد «حملة مباخر» الاقتصاد المعولم. ويؤكد المؤلف القول: «عندما قررت منذ ثلاث سنوات أن أضع نفسي في مكان وجلد أولئك الذين يشكلون فئة الخاسرين بعالمنا لم أكن أعرف أبدا ماذا سوف يصادفني في الطريق».
وبعد اكتشافه وجوها جديدة للعنصرية تحت هوية المهاجر الأسود، الصومالي، يخوض المؤلف-الصحفي تجربة العيش «تحت الصفر»، كما جاء في عنوان أحد الفصول أمضى شهورا طويلة كأحد أولئك المتشردين الذي «لا سكن ثابتا لهم»، والذين ينامون على الأرصفة أو يتوهون بين مركز وآخر لاستقبال المشرّدين بلا مأوى.
وكان «وولراف» قد أجرى قبل سنوات تحقيقا عن أكبر مركز في ألمانيا بهذا الميدان والمتواجد في مدينة همبورغ. ويبيّن المؤلف من خلال تجربته الأخيرة كمتشرد مدى النقص الموجود في نظام مساعدات البطالة الجديد في ألمانيا.
وحسب نفس الآلية خلف شعر مستعار وعدسات لاحقة وشاربين حليقين وهوية استعارها من صديق مايكل ج -49 سنة- يثبت غونتر وولراف في فصل آخر عن مدى الضغط النفسي الذي يتعرض له الموظفون الصغار في أحد المراكز بمدينة كولونيا للتدريب وحيث يمثل الاستغلال والكذب «ممارسات تقتضيها»، بل ويجري «تعليم» مثل هذه الممارسات من قبل المدرّبين.
كما يبرهن المؤلف مدى أشكال الضغط التي تتم ممارستها في المخازن الكبرى. ويشير إلى أنه يتم توظيف أشخاص بأجرة تبلغ 7،66 يورو، قبل اقتطاع الضرائب، للساعة. وكان هو نفسه قد عاش تلك التجربة كعامل في « مخبزة صناعية» تقوم بتحضير الخبز لمخزن «ليدل» الشعبي الشهير في ألمانيا. وهو يشرح بدقة شروط العمل المرهقة السائدة في تلك الظروف.
وفي المحصلة يجد المؤلف أن القاسم المشترك بين الإفريقي «الأسود» الذي يبحث عن عمل وصاحب الراتب الصغير والمتشرد بدون أي مسكن ثابت والعامل في مخبزة صناعية يتمثل في كون أن هؤلاء جميعا هم من «المتروكين على قارعة الطريق» من قبل مجتمعات الوفرة. وبالتالي يمكن تصنيفهم جميعا في فئة «الخاسرين في المجتمع ما بعد الصناعي».
والأعمال التي يمارسونها جميعا يتم توصيفها أنها «تحمل القلق والإنهاك والأزمات العصبية والأمراض النفسية-الجسدية والإفراط في تناول المواد السامّة». ومن يقومون بها يعرّفهم المؤلف بالقول «إنهم في أغلب الأحيان أناس يعانون من اليأس وكانوا قد عرفوا فترات طويلة بدون عمل وبالتالي يتعلقون بقشة لتجنّب الغرق».
ومثلما وصف غونتر وولراف معاناة العمال المهاجرين الأتراك في ألمانيا بكتابه الشهير «رأس تركي» يعود ليرسم في هذا الكتاب الجديد واقع المأساة التي يعيشها الملايين في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين.
ويقول في إحدى جمل الكتاب: «عندما بدأت العمل قبل أربعين سنة انتابني الأمل، مثل كثيرين غيري، بقدوم عالم أكثر إنسانية وأكثر عدالة. وإذا كنت أصارع دائما من أجل تحقيقاتي وكتبي فذلك كون أن الشك ينتابني أكثر. إن التراجعات كبيرة خلال الآونة الأخيرة فالظلم يتقدّم وظروف الحياة ليست أكثر إنسانية، بل العكس هو الصحيح».
الكتاب: بين الخاسرين في أفضل العوالم
تأليف: غونتر وولراف
الناشر: لاديكوفرتسويل باريس 2010
الصفحات: 323 صفحة
القطع: المتوسط
Parmi les perdants du meilleur des mondes
Gunter Wallraff
La Découverte Paris
323p.
