كان للإمبراطورية دور كبير في صناعة تاريخ البشرية خلال الألفي سنة المنصرمة. والأستاذان الجامعيان الأميركيان لمادة التاريخ في جامعات نيويورك جان بوربانك وفريديريك كوبر يكرّسان كتابا لدور «الإمبراطوريات في تاريخ العالم» كما جاء في عنوانه الرئيسي وعنوان فرعي يقول: «ثورة الاختلاف وسياساته».
تتوزع مواد هذا الكتاب الذي يزيد عدد صفحاته على ال500 صفحة بين أربعة عشر فصلا ابتداءً من «المسارات الإمبريالية» القديمة وحتى «الإمبراطوريات والدول والمخيلة السياسية»، كما جاء في عنوان الفصل الأخير، ومرورا ب«الدور الإمبريالي في روما والصين» والإمبراطوريات الأخرى التي أعقبت روما ودراسة العلاقة بين «الإمبراطورية والمسيحية والإسلام» ثم «الإمبراطوريات المغولية» و«الإمبراطوريتان الإسبانية والعثمانية»، والتوقف طويلا عند «الإمبراطوريات الاستعمارية»، وفصل آخر عن «الإمبراطوريات في العصر الثوري».
كما يولي المؤلفان أحد الفصول للإمبراطوريتين الأميركية والروسية. هذا قبل الخوض في مسألة «الحرب والثورة في عالم الإمبراطوريات» ثم التساؤل في فصل أخير: «هل انتهت الإمبراطورية»؟
وإذا كان المؤلفان يؤكدان على أن الإمبراطوريات ساهمت إلى حد كبير في التاريخ القديم وحتى بدايات القرن العشرين بصناعة التاريخ الإنساني،فإن انهيار الإمبراطوريات على صعيد العالم كله مثّل أحد التوجهات التاريخية الأكثر بروزا خلال القرن العشرين. هكذا انتهت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) بانهيار الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية-الهنغارية.
وقابل انهيار الإمبراطوريات بصيغها القديمة بروز عدد من «الأمم الجديدة» في إطار دول أخذت بسرعة تسمية دول-أمم. هذا بعد عشرين قرنا من تاريخ الإنسانية كانت خلالها الإمبراطوريات هي «الصيغة الغالبة للتنظيم السياسي ».
هذا قبل أن تحلّ الحقبة «الأكثر سرعة في تحلل الإمبراطوريات» بعد الحرب العالمية الثانية. وهي الحقبة التي تتزامن مع نهاية الاستعمار والإمبراطوريات الاستعمارية.
ويؤكد المؤلفان في تحليلاتهما ظاهرة مفادها أن الإمبراطوريات لم تدم في التاريخ طويلا ولم يتجاوز عمر الأطول حياة منها بضع مئات من السنوات. لكن فكرة الإمبراطورية نفسها ك«مؤسسة» وك«نمط» للحكم عرفت حياة مديدة ونجاحا لا مثيل له.
ثم إن أنماط قيام الإمبراطوريات ومقوماتها تختلف بينما تشترك كلها بالتمركز حول «سلطة قوية». وقد لا تأخذ أحيانا تسمية إمبراطورية مع أنها تشغل وظيفتها. ويتم التمييز في هذا السياق الإمبراطوريات البحرية التي مثّلت الإمبراطورية البريطانية مثالها الأكثر بلاغة والتي اختلفت تماما عن الإمبراطوريات القائمة على وحدة المجال الأرضي. الإمبراطوريات البحرية هي ذات بنيات أكثر مرونة وموزعة بين عدة مناطق جغرافية وأحيانا بين عدة قارات.
ويحدد المؤلفان القول إن مفهوم الإمبراطورية نفسه قد سبق بفترة طويلة الإمبراطورية الرومانية ويعتبران أن الإمبراطورية الأكادية من أول «الصيغ» الإمبراطورية في التاريخ الإنساني وقد قامت أغلبية الإمبراطوريات تاريخيا كثمرة لفتوحات عسكرية لدول تطلّعت إلى توسيع حدود نفوذها وطمعا أيضا في الحصول على موارد جديدة أو البحث أحيانا عن «احتكار» هذه المادة الأساسية أو تلك مثلما هو الحال ب«إمبراطوريات المياه».
بهذا المعنى يؤكد المؤلفان أن الإمبراطوريات التي تكوّنت من أراضٍ وشعوب جرى توحيدها بالقوة وعلى خلفية طموحات معينة، هيمنت على المشهد السياسي للعالم منذ أكثر من 2000 سنة. ولم تتكوّن هذه الأمم كلها على شاكلة الرؤية التقليدية الأوروبية للأمة التي أكدت على مفهوم الأمة.
بل أن العديد من الإمبراطوريات قامت على عملية أقلمة واستثمار الاختلافات بين المكوّنات السكانية الواقعة تحت سلطتها».
ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب أن المؤلفين يقدمان رؤية شاملة للإمبراطوريات في التاريخ. وذلك من خلال نماذج متعددة متنوعة، مع التأكيد على خصوصيات كل منها. ويتم التأكيد على أن المسيحية والإسلام لعبا دورا كبيرا وحاسما في الإمبراطوريات التي قامت حول روما في أوروبا وفي العالم العربي-الإسلامي وحيث مثلت الإمبراطورية العثمانية تجسيدا للتمسك بالعقيدة الإسلامية من جهة وبروح الولاء للسلطة المركزية من جهة أخرى.
وتتم الإشارة بأشكال متعددة في هذا الكتاب للدور الذي لعبه اكتشاف القارة الأميركية عام 1492 في دفع العديد من الدول الأوروبية إلى تبنّي برامج إمبريالية «استعمارية». لكن ذلك «الموديل» الإمبريالي الأوروبي أدّى إلى تقسيمات جغرافية «تعسفية» في العديد من مناطق العالم التي مدّ إمبراطورياته إليها. ذلك أن تلك التقسيمات كانت لا تجري على أساس الواقع السكاني.
لكن هل انتهت الإمبراطورية؟
إن مؤلفي هذا الكتاب لا يتوقعان عصرا جديدا للإمبريالية، لكنهما يشيران إلى أن العالم ما بعد الإمبريالي الذي نعيش فيه لم يؤد إلى قيام عالم ثابت ومستقر.
لكنه أدى بالأحرى إلى «وهم وجود مساواة في السيادة ». لكن «لا مساواة في الواقع داخل الدول وفيما بين الدول»، كما يكتبان.
ويذكّران أن «الحاضر ليس قائما كبنية مستدامة». وبهذا المعنى تغدو الحقبة ما بعد الإمبريالية بمثابة «مرحلة انتقالية» نحو مستقبل جديد وغير واضح المعالم.
الكتاب: الإمبراطوريات
في تاريخ العالم
تأليف: جان بوربانك
فريديريك كوبر
الناشر: جامعة برنستون
2010
الصفحات: 528 صفحة
القطع: المتوسط
Empires in world history
Jane Burbank، Frederick Cooper
Princeton University Press 2010
528p.
