بعد أن كرّس عدة كتب عن الفرنسيين واهتماماتهم وكيف يعملون ويعيشون، يقدّم الصحفي والباحث الأميركي تيد ستانجر، كتابا جديدا عنهم وعلاقتهم ب«العطل المقدّسة»، كما جاء في العنوان الرئيسي، مع عنوان فرعي يتم التأكيد فيه أن العطل تشكل في فرنسا «فكرة رئيسية بامتياز».

ويتساءل المؤلف بداية: كيف يمكن لبلاد لا يعمل أبناؤها سوى 1436 ساعة في السنة وهناك 37 يوم عطلة رسمية فيها أن تدور آلتها بشكل طبيعي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل في واقع الأمر رحلة في قلب المجتمع الفرنسي من بوّابة مفهومه ل«العطلة». وإذا كان المؤلف، المعروف بحبه لفرنسا التي يمضي فيها أوقاتا طويلة، يتحدث بشيء من «التهكّم الخفيف» حيال الفرنسيين، فإنه يقدّم بالمقابل الكثير من الأرقام والوقائع الاقتصادية حول «وقت العمل» في فرنسا وحول قصة «العطل المدفوعة الأجر» والتي تمثل أحد امتيازات العاملين في الكثير من المؤسسات الفرنسية.ومن خلال الحديث عن العطل يقدّم المؤلف توصيفا لفرنسا حيث يتوقف طويلا عند وصفه للعاصمة باريس. لكن أهل باريس لا يحلمون سوى بشيء واحد هو الذهاب في عطلة والابتعاد عن مدينتهم.

نقرأ: «الباريسي المتعلّق جدا بمدينته ويعتبرها الأكثر تمدّنا والأكثر أناقة والأكثر جمالا في العالم، لا يبارحه همّ واحد هو أن يغادرها، وبأسرع وقت ممكن». ويشير المؤلف إلى أن مثل هذه «المشاعر» الخاصة ب«رغبة الخروج» من باريس تبقى «غريبة» بالنسبة للأجانب، بل هي من «الأسرار التي تجعل فرنسا بلدا فريدا ولطيفا بالوقت نفسه».

ولا يتردد المؤلف في القول إن الحياة الاقتصادية، بل والنشاطات العامّة إجمالا تتعطل بشكل شبه كامل خلال شهري يوليو وأغسطس من كل سنة. وقبل شهرين على الأقل من بداية العطلة تسود حالة من «التعبئة» العامة لدى الفرنسيين بحثا عن مكان للعطلة.

ويشير المؤلف إلى أنه عبر إقامته الطويلة في فرنسا انتهى به الأمر لقبول أن «يفعل مثل الجميع» كي تكون علاقاته «طبيعية» و«منسجمة» مع الفرنسيين. وخاصة أنه وجد نفسه مطالبا من قبل الذين يحيطون به. من جاره، الذي يطرح عليه بالكاد عادة تحية الصباح، وحتى بائع الصحف، ومرورا بكل المحيطين به في العمل، على سؤال: «هل ستذهب في عطلة»؟

يقول المؤلف: «إن تأقلمي مع هذه الممارسة لم يكن أمرا سهلا. وقد استغرق ذلك منّي زمنا. لكنني فهمت تدريجيا أن الباريسيين يتعاملون على أساس قانون للسلوك يحكمون من خلاله على أنفسهم وعلى مكانتهم». ذلك أن سؤال: «هل ستذهب في عطلة»؟ كان يخفي السؤال الحقيقي. وهو: «هل تنتمي إلى طبقة أولئك الذين يقضون عطلتهم في أماكن بعيدة عن مقر إقامتهم أو أنك مجرد رجل بائس»؟ ويكفي للمرء أن يجيب:

«نعم سأذهب بالطبع إلى منطقة كذا...» أو أن يقول «سوف أسافر لفترة أسبوعين، إذ لدي الكثير من العمل الذي ينبغي إنجازه» كي «ينقذ كرامته».بالمقابل إذا كانت الإجابة «مترددة»، لسبب من الأسباب، أو إذا كانت «كلاّ» بدون تقديم عذر مقبول «فإن المرء سوف يجد نفسه أمام «نظرة عطف» تطول قبل أن يحوّل صاحبها نظره عنه وكأنه مصاب ب«مرض قد يصيبه بالعدوى».وتصب التحليلات التي يقدمها المؤلف بهذا الصدد في القول أن موضوع العطل، وما يقال عنه، وخاصة «ما لا يقال»، هو من المواضيع التي تتمثّلها ثقافة الناس منذ سن مبكرة. ذلك أن البلاد جعلت من «العطلة الصيفية» مقياسا حقيقيا ل«التميّز الاجتماعي». وعندما يذهب الفرنسي، وخاصة الباريسي، في عطلة فإنه يريد أن «يطمئن نفسه» ويحتمي من الضغوط «الاجتماعية».

ويبلغ متوسط ما تنفقه الأسر الفرنسية سنويا من أجل العطلة الصيفية 3000 يورو (4000 دولار تقريبا) للذهاب إلى شواطئ «مكتظّة بالسائحين» ويعاني من طرق «زاخرة بالمسافرين» إلى حد التعذيب أحيانا وفي «أحوال جوية غير ثابتة».ومقابل الابتعاد عن باريس، هناك خيار البقاء في باريس خلال فترة الصيف استجابة لفكرة سائدة هو أن باريس «رائعة في الصيف، إنها قرية حقيقية حيث يمكن التنقّل بسرعة وإيجاد مواقف للسيارة دون عناء الاسترخاء».

وهذا ما يصفه المؤلف بالقول: « إذا شنّت سويسرا الحرب على فرنسا في الشهر الثامن من السنة، فإنني على ثقة أن السويسريين سوف يكونون على مشارف باريس بأقل من 48 ساعة».

وفي المحصلة هذا كتاب يبيّن المؤلف فيه أن الفرنسيين «أبطال» العطل بلا منازع. على الأقل هذا ما يحاول الملف شرحه بأشكال مختلفة وبروح فيها الكثير من «السخرية» المحببة والبعيدة عن أية ضغينة، بل على قاعدة المحبّة. والمؤلف الأميركي يجد صعوبة في أن يفهم، كما يقول، كيف أن النظام التربوي يفرض «استراحة» من الدراسة كل ستة أسابيع... إنه «الكسل الطبيعي» لديهم.

.

الكتاب: العطل المقدّسة فكرة فرنسية متأصّلة

تأليف: تيد ستانجر

الناشر: فلاماريون باريس 2010

الصفحات: 184 صفحة

القطع: المتوسط

Sacrées vacances

Ted Stanger

Flammarion Paris 2010

184p