«الموت الأخير لميتران»، هو آخر كتاب في سلسلة من الكتب كان موضوعها الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران الذي كان على رأس السلطة منذ عام 1981 وحتى عام 1995.
إن مؤلفة هذا الكتاب تعود إلى يوم 7 أبريل- نيسان من عام 1994، عندما وجدوا «فرانسوا دو غروسوفر» مضرّجا بدمائه وقد فقد الحياة بمكتبه في قصر الاليزيه القريب من مكتب الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران. كان «دو غروسوفر» هو أحد المقرّبين من الرئيس لسنوات مديدة. وسرى التساؤل: هل انتحر؟ وكانت الإجابة الشائعة والتي أثبتها الطب لاحقا هي نعم. ولكن مؤلفة هذا الكتاب تشير أن المرء لا يلجأ إلى الانتحار صدفة وبسهولة، عندما يكون مستشارا لدى رئيس الجمهورية. بل وكان، كما يتم توصيفه، «وزير الشؤون الخاصة لفرانسوا ميتران». وهو الذي كان مسؤولا طيلة سنوات عديدة عن العناية بـ «مازارين» الابنة غير الشرعية لميتران والتي لازمت والدها خلال السنوات الأخيرة من حياته بعد الإعلان عن أبوّته لها.
شكّلت حادثة انتحار «فرانسوا دوغروسوفر» أحد الأسرار التي جرت المحافظة عليها من قبل السلطات الرسمية. وجرى الحرص على إبقاء الصحافيين، وإلى حد كبير المحققين، بعيدين عنها. فلماذا هذا كله؟ الإجابة على هذا السؤال هي موضوع كتاب «رافاييلا باكيه». وهو أيضا كتاب عن الآلية التي تعامل فيها الرئيس الفرنسي الأسبق والمحيطون فيه مع الآخرين، وقبل كل شيء هو كتاب عن تلك الصداقة الحميمة التي ربطت ميتران ودوغروسوفر وعما رافقها وتخللها من مسائل متعلّقة بالمال والنساء وحكايات الظل.
ومن السمات الأولى التي تؤكد عليها المؤلفة لدى فرانسوا ميتران هو أن صاحب «موهبة» كبيرة في جمع الكثيرين حوله من شتى المشارب والاهتمامات بما في ذلك عددا من المغامرين والمغمورين الذين أصبح لهم «تحت حمايته» دور ما كان للتاريخ أن يوليه لهم إلا في ظله.
و«فرانسوا دوغروسوفر»، الارستقراطي «من بين هؤلاء وهو الذي كان قريبا من حكومة فيشي المتعاملة مع الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية ثم انتقل إلى صفوف المقاومة ضد الألمان، وهو رجل صناعة كانت له شبكاته في إفريقيا وبلدان المغرب، وكان ماسونيا ورجل أجهزة سرية. ولم يكن بعيدا عن تمويل الحملات الانتخابية العديدة التي خاضها فرانسوا ميتران.
وكان الخروج الكبير والحقيقي لفرانسوا دوغروسوفر من الظل والسرية، كما تقول المؤلفة، هو يوم انتحاره في ذلك اليوم من شهر أبريل- نيسان 1994. «كانت الدماء منتثرة في جميع أرجاء المكتب، بل وكانت نتف من الدماغ على الجدران وحتى على السقف»، كما تكتب. حاول كُثر أن يروا في ذلك عملية قتل مبرمجة. مؤلفة هذا الكتاب تميل إلى القول أن الأمر يتعلق بالأحرى بعملية «انتحار غامضة» لمستشار «ثرثار جدا».
وقصة دو غروسوفر تقدّمها المؤلفة على أساس أنها تعكس بشكل ممتاز «صورة مرحلة». وما آلت إليه حياته في فترتها الأخيرة كانت تجسيدا لحالة «خيبة الأمل» بعد أن جرى تهميشه من قبل صديقه «الرئيس» الذي أبقاه في قصر الاليزيه وأبقى تحت تصرفه مكتبا خاصا به، لكنه لم يحقق له ما كان يصبو إليه إذ ربما أراد، كما نقرأ، أن يصبح جاسوسا كبيرا أو مديرا للأجهزة السرية في ظل ميتران، لكنه لم يكن يمتلك التجربة ولا الإمكانيات التي تسمح بذلك.
وفي واقع الأمر لم يكن دوره قد تجاوز «المخبر الذي ينقل المعلومات» للرئيس.وتشرح المؤلفة على مدى العديد من الصفحات كيف أن فرانسوا دوغروسوفر حاول أن تكون علاقته مع فرانسوا ميتران قائمة على مبدأ المساواة والتكافؤ، خاصة أنه كانت لهما سلوكيات متشابهة على مستوى الحياة الخاصة. لكن الرجلين كانا من «عيارين» مختلفين وأصبح ميتران سريعا في موقع من يسيطر، بينما أصبح فرانسوا دوغروسوفر في موقع «التبعية». من هنا كان يكنّ الكثير من مشاعر الحسد، بل والحقد تقريبا، حيال أولئك الذين كان يقرّبهم ميتران منه.
وتحدد المؤلفة القول أن أحد العناصر الأساسية في علاقة فرانسوا ميتران، وفرانسوا دوغروسوفر، تمثل في المال الذي كان يتدفّق بكل الاتجاهات، وبلا حسابات «عقلانية» في أحيان كثيرة. وتكشف المؤلفة أن دوغروسوفر كان قد عرض على الصحفي الفرنسي بيير بيّان مبلغ 3 مليون فرنك فرنسي مقابل عدم نشره لكتابه الخاص بالرئيس الغابوني الراحل عمر بونغو، صديق الرئيس ميتران.
وإذا كانت رافاييللا باكيه لا تصل إلى التشكيك بفعل الانتحار، فإنها تذهب في اتجاه تحميل الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران قدرا من «المسؤولية الأخلاقية» عبر التهميش الكبير الذي خصّ به صديقه السابق وما سببه له ذلك من ألم. وتشير إلى أن «القطيعة» الواضحة والحازمة كانت أقل «إيلاما» من ذلك التهميش البطيء. هذا دون إهمال المؤلفة لعوامل أخرى ربما كان لها دورها في انتحار فرانسوا دوغروسوفر، وليس أقلها فقدان المكانة والشيخوخة. «إنه لم يتحمّل فكرة الشيخوخة»، كما نقرأ.
ومما يُنقل عن فرانسوا دوغروسوفر أنه قال قبل انتحاره بعدة ساعات فقط لإحدى السكرتيرات العاملات في قصر الاليزيه: «هذا الرجل ميتران- لا يحب أحدا. احذروا منه. إنه لا يفكر سوى بنفسه، ولا يحب سوى نفسه».
الكتاب: الموت الأخير لميتران
تأليف: رافاييللا باكيه
الناشر: غراسي البان ميشيل
باريس 2010
الصفحات: 238 صفحة
القطع: المتوسط
Le dernier mort de Mittérand
Raphaella Bacqué
Grasset, Albin Michel
Paris 2010
238p.

